||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
تولد الصدمة النفسية في اللحظة التي ينهار فيها البناء الذي صنعناه لأنفسنا عن العالم وعن الآخرين.
إنها ليست مجرد ألمٍ عابرٍ أو جرحٍ بسيط يلتئم بمرور الوقت، بل هي اهتزازٌ عميق في جوهر النفس، يُعيد تشكيل وعينا بكل ما ظنناه ثابتًا ومطلقًا.
تأتي الصدمة لتذكّرنا بأن الإنسان، في سعيه الدائم نحو العدالة والمعنى، كائنٌ يتأثر، ويتقلّب بين المثالية التي يحملها في قلبه، وقسوة الواقع الذي يفرض نفسه عليه بلا رحمة.
حين يتعرض الإنسان للظلم أو القهر، فإن صدمته لا تأتي فقط من الحدث نفسه، بل من إدراكه أن القيم التي بنى عليها وجوده قد تم اختراقها.
العدالة التي آمن بها، الخير الذي سعى إليه، وحتى الثقة التي منحها، تصبح فجأة موضع شك.
هنا تبدأ النفس في رحلة تمزق داخلي، رحلة صراع بين الحنين إلى عالم عادل وآمن، وبين مواجهة الحقيقة العارية بأن الظلم ليس مجرد خطأ عارض، بل جزء من طبيعة الوجود البشري.
ولكن، في خضم الألم، لا يمكننا تجاهل أن الصدمة النفسية قد تترك آثارًا عميقة، بعضها قد لا يُمحى بسهولة.
في حين أن هناك من يتمكنون من التحول والنمو، فإن هناك آخرين يظلون عالقين في معاناتهم، يعانون من تداعيات نفسية مستمرة مثل القلق، الاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة.
الصدمة قد تصبح عبئًا ثقيلًا في حياة البعض، يتطلب صبرًا طويلًا ودعمًا عميقًا لإيجاد طريق للشفاء.
الصدمة، في جوهرها، هي لحظة مواجهة بين الإنسان ونفسه.
إنها امتحان للروح، تجربة تكشف عمقها وضعفها في آنٍ واحد.
حينما يواجه الإنسان ألم الصدمة، تتجلى داخله رغبة غريزية بالهرب أو الانتقام، لكن هناك صوتًا آخر، أعمق، ينبثق من الجرح ذاته، يدعوه إلى التأمل والتساؤل: ما الذي يجعل الألم بهذا العمق؟ ولماذا تترك هذه التجربة ندوبًا لا تزول؟
لكن بالرغم من أن الألم قد يكون أحيانًا غير قابل للتفسير أو التضمين، فإن الصدمة تمنحنا، في حالات معينة، فرصة للتحول.
الألم الذي يبدو وكأنه يُدمّرنا يحمل في داخله بذور إعادة بناء النفس.
كأن الإنسان يولد من جديد داخل نفسه، أكثر وعيًا بحدوده، وأكثر تقديرًا لما هو جوهري.
هذا التحول لا يحدث بسهولة؛ إنه يتطلب شجاعة استثنائية، شجاعة لمواجهة الحقيقة دون هرب أو تبرير، شجاعة للاعتراف بالضعف دون أن يتحول إلى هزيمة.
الأخلاق هنا تلعب دورًا حاسمًا.
إنها الحبل الذي يتمسك به الإنسان وسط طوفان الألم، البوصلة التي توجهه في لحظات الضياع.
عندما يتحول الإنسان إلى قيم الرحمة، التسامح، والعدالة، فإنه لا يهرب من الصدمة، بل يواجهها بروح أسمى.
الأخلاق ليست مجرد وسيلة للتفاعل مع الآخرين؛ إنها أداة لتطهير النفس من أثر الجروح، طريقة لإعادة صياغة علاقتنا مع أنفسنا ومع العالم.
مع ذلك، يجب أن نتذكر أن التفاعل مع الصدمة ليس أمرًا فرديًا بالكامل.
بعض الجروح قد لا تلتئم دون الدعم الاجتماعي أو التغيير البنيوي في المجتمع الذي يسبب الظلم. والألم، على الرغم من جميع محاولات التحول، قد يستمر في بعض الأحيان كجزء دائم من نسيج النفس، ندبة تذكّرنا بحدود الإنسان وهشاشته.
وهكذا، تتحول الصدمة من تجربة هدامة إلى بوابة للنمو، لا بإنكار الألم بل بتحويله إلى درس.
ليست العظمة في تجنب الظلم، بل في مقاومته دون أن يفقد الإنسان إنسانيته.
الصدمة تعلمنا أن جوهر النفس البشرية لا يتشكل في لحظات السعادة، بل في الأوقات التي يُختبر فيها العمق الحقيقي للروح.
إن الألم الذي تسببه الصدمة يظل حاضرًا، لكنه يصبح جزءًا من نسيج النفس، جرحًا لا يمحو شيئًا، بل يضيف طبقة من الحكمة.
إنها دعوة للتواضع أمام حقيقة أن الإنسان، مهما بلغ من القوة، يظل ضعيفا أمام الحياة.
لكنها أيضًا شهادة على قدرة النفس على الصمود، على تحويل الجرح إلى بوابة للشفاء، وعلى اكتشاف أعماق جديدة من القوة والوعي.
وفي النهاية، الصدمة ليست النهاية، بل البداية.
إنها لحظة الانكسار التي تسبق التغيير، اللحظة التي تُعيد فيها النفس تعريف ذاتها، لا كضحية للألم، بل ككيانٍ قادر على أن ينهض، أن يعيد بناء نفسه من جديد، وأن يرى في ألمه انعكاسًا لمعنى أعمق للحياة، معنى يتجاوز الظلم إلى العدل، ويتجاوز الجرح إلى الحكمة.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020
السلام عليكم ورحمة الله
ماشاء الله تبارك الله حقيقةً ما أبدع به فكرك وخطه قلمك إنها رحلة قاسية ممحصة للنفس الطيبة والفطرة السليمة
وفقك الله عزيزتي الاستاذة أشواق شتيوي