||
محمد بني فارس –
@suleimanjojo
في عالمٍ يعجُّ بالمظاهرِ، ويسعى كثيرون فيه إلى إبرازِ أفعالهم ونشرِها، يبرز فعلُ الخيرِ الخفيِّ كقيمةٍ نادرةٍ ونموذجٍ سامٍ للإيثارِ الخالصِ وسمّوِ الأخلاقِ.
ومن بين هذه الأفعالِ التي تستحقُّ التقديرَ والإشادةَ، ما قامت به سيدةٌ اختارت أن تتبرَّعَ نيابةً عن أشخاصٍ لجهاتٍ خيريةٍ دون علمِهم، في لفتةٍ إنسانيةٍ تحملُ أسمى معاني النبلِ والعطاءِ والإيثارِ.
تبرُّعُ هذه الأخت ليس مجردَ تصرُّفٍ ماديٍّ، بل هو موقفٌ أخلاقيٌّ وروحيٌّ يعكسُ فهمًا عميقًا لمعاني الخيرِ وسموِّ الأخلاقِ الإنسانية. إن فعلَها هذا يُذكِّرُنا بقولهِ تعالى: “إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ” (البقرة: 271). فقد آثرت أن تكون يدَ الخيرِ الممتدَّةَ بصمتٍ، دون أن تنتظرَ شكرًا أو تقديرًا، ودون أن تُشعِرَ من حولَها بثقلِ الدَّينِ المعنوي.
هذا النموذجُ الفريدُ يُلقي الضوءَ على معانٍ عميقةٍ؛ أولُها أن الخيرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بما يُقال عنه، بل بالأثرِ الذي يُخلِّفه في حياةِ الآخرين، وهذا هو قمة النبل.
إن التبرُّعَ نيابةً عن أشخاصٍ دون علمهم هو رسالةٌ واضحةٌ بأن الخيرَ لا يرتبطُ بالشهرةِ أو الاعترافِ، بل بالإيمانِ بأنَّ العطاءَ في حدِّ ذاته يُحقِّقُ قيمةً ساميةً وغايةً أخلاقيةً عظيمةً في الحياة.
ويُبرِزُ هذا الفعلُ أهميةَ التجرُّدِ والإيثارِ؛ فالسيدةُ التي أقدمت على هذا العملِ لم تكن فقط تتبرَّعُ بمالِها، بل أيضًا تضعُ نفسها في مقامِ الوسيطِ الذي يسعى لجلبِ الخيرِ للآخرين دون أن ينتظرَ منهم شيئًا.
هذا النوعُ من العطاءِ هو ذروةُ الإحسانِ، وذروةُ النبلِ الأخلاقي، لأنه يقتضي الإيمانَ العميقَ بأنَّ الأجرَ الحقيقيَّ لا يأتي إلا من اللهِ.
هذا الفعلُ يُعلِّمُنا أنَّ الخيرَ لا يحتاجُ إلى إعلانٍ أو إشهارٍ ليُثمِرَ. كثيرٌ من الأفعالِ التي تتمُّ بسريةٍ تحملُ في طياتِها بركةً عظيمةً، وتتركُ أثرًا يمتدُّ إلى أجيالٍ قادمةٍ. ربما لن يعرفَ من تبرَّعت عنهم أو الجهاتُ التي وصلها العطاءُ مَن كانت وراء هذا الخيرِ، ولكن اللهَ يعلمُ، وسيكتبُ ذلك في ميزانِ حسناتِها. وهذا في حد ذاته صورة من صور سمو الأخلاق الإنسانية.
ما قامت به هذه الأختُ الفاضله هو درسٌ لنا جميعًا في أن نُراجعَ نوايانا حين نُقدِمُ على فعلِ الخيرِ ونسألُ أنفسنا هل نُعطي لأجلِ التقديرِ أم لأجلِ إسعادِ الآخرين؟ وهل نبحثُ عن الأثرِ الذي نتركه في الدنيا أم نرجو الأجرَ في الآخرةِ؟
إننا بحاجةٍ إلى استلهامِ مثل هذه النماذجِ في حياتِنا اليوميةِ، لنُعيد بناءَ جسورِ الرحمةِ بيننا، ولنُحيي قيمةَ العطاءِ الخالصِ للهِ، وما يحمله من نبلٍ وسموٍّ للأخلاقِ.
هذه السيدةُ هي مثالٌ يُحتذى به، ونموذجٌ يُعيد لنا الأملَ في أن الخيرَ لا يزالُ حيًّا في النفوسِ، وأنه يمكنُ للإنسانِ أن يُضيءَ حياةَ الآخرين دون أن يُطفِئَ وهجَ التواضعِ والإخلاصِ في قلبه.
نسأل الله العظيم أن يبارك لهذه السيدةِ في حياتها، وأن يجعل كل درهمٍ أنفقته سببًا في رفع درجاتها في الجنة، وأن يجزيها عن كل نفسٍ أسعدتها خير الجزاء ونسأله سبحانه أن يفتح لها أبوابَ الرزق والخير، وأن يُديم عليها نعمة الصحة والعافية، ويجعلها من الذين يُقال لهم يوم القيامة: “ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون.”
محمد بني فارس
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020
رافق جمال الفعل و انسانيته الراقية و عمق وعي الاخت المتبرع بمعنى الأخوة في الدين.
رافقه جمال حرفك الغالي ابا طارق وروعة قراءتك للحدث بنظرة اسلامية قيمية اخلاقية
تحياتي لكم .
نشكر صحيفة المصداقية أن أتاحت لنا الاستمتاع بحرفك الراقي .
بعض الكلمات لاتمر على قلوبنا عابرة تترك أثرا طيباً بقلوبنا لايزول نظل ممتنين لاصحابها ولهم منا كل الشكر ولكل من يرسم حرفآ جميلآ راقيآ في وسط إنكسارات هذه الحياه أصدق الدعوات بكل خير 🤍