||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
الجمال ليس مجرد شعور عابر أو تجربة حسية، بل هو مفهوم معقد يتطلب تفاعلاً عميقًا بين الإدراك الذهني والتأمل العاطفي، مما يجعله تجربة غنية ترتبط بجوهر الإنسان. علميًا، إدراك الجمال ينطوي على نشاط مناطق محددة في الدماغ، أبرزها القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التفكير العميق والتقييم، والجهاز الحوفي الذي ينظم المشاعر.
هذا التفاعل بين التفكير العميق والعاطفة يعكس أن تقدير الجمال ليس مجرد ملاحظة سطحية، بل هو رحلة داخلية من التأمل تتطلب وعيًا وارتقاءً.
على النقيض، الكراهية تبدو تجربة أبسط وأكثر فورية، إذ تنبع غالبًا من استجابات غريزية تحفزها مراكز الدماغ المرتبطة بالخوف والانفعالات، مثل اللوزة الدماغية.
هذه الاستجابة السريعة تخدم الإنسان تطوريًا لحمايته من التهديدات الحقيقية أو المتصورة، ما يجعلها آلية بقاء قديمة وفعالة.
ومع ذلك، فإن هذه الطبيعة الغريزية تجعل الكراهية أقل تطلبًا من الناحية العقلية والعاطفية، إذ تختصر تعقيد المواقف إلى استجابة انفعالية مباشرة.
من منظور تطوري، يمكن فهم هذا التناقض. الكراهية، كونها وسيلة بقاء، ساعدت البشر الأوائل على التفاعل بسرعة مع المخاطر المحيطة.
في المقابل، الجمال يمثل جانبًا أكثر تطورًا في حياة الإنسان، يرتبط بالإبداع، وبناء العلاقات الاجتماعية.
مع تطور القشرة الجبهية وازدياد تعقيد المجتمعات البشرية، أصبح الإنسان قادرًا على التمييز والتأمل في جمال العالم، ما ساهم في بناء ثقافة إنسانية غنية بالتنوع والإبداع.
اختيار الجمال ليس أمرًا سهلاً أو تلقائيًا. إنه يتطلب وعيًا أخلاقيًا وجهدًا ذهنيًا لدفع الإنسان إلى تجاوز السطحيات نحو العمق والانسجام.
فالجمال يدعو إلى استكشاف المعاني الأعمق للحياة والبحث عن الروابط التي توحد البشر بدلاً من تلك التي تفرقهم. على الجانب الآخر، الكراهية غالبًا ما تكون انصياعًا لحالة ذهنية مغلقة، تختزل العالم إلى مواقف انفعالية سريعة.
وبينما يرتقي الجمال بالإنسان نحو الإبداع والتسامح، تستهلك الكراهية طاقته في صراعات داخلية وخارجية تُعيق قدرته على إدراك التعقيد الحقيقي للحياة.
لكن رغم هذا التباين، يجب الإشارة إلى أن الكراهية ليست دائمًا سطحية.
في بعض الأحيان، تكون الكراهية نتاج تجارب عميقة أو إحساس مستمر بالظلم، مما يمنحها جذورًا نفسية ومعرفية عميقة.
وبالمثل، الجمال قد لا يكون دائمًا انعكاسًا للانسجام أو العمق، بل قد يتأثر بمعايير اجتماعية وثقافية سطحية تُعيد تعريفه بشكل محدود وغير صادق.
في نهاية المطاف، الجمال والكراهية هما تجربتان تعكسان جوانب مختلفة من طبيعة الإنسان.
الجمال يعبر عن قدرة الإنسان على الإبداع والانسجام مع ذاته ومع العالم من حوله، بينما تظهر الكراهية الجانب الدفاعي والغريزي الذي يحاول تبسيط التعقيد إلى استجابات فورية.
الاختيار بينهما يعكس مستوى الوعي الإنساني، ومدى قدرته على السمو فوق الغرائز والانفعالات، ليصل إلى حالة من التوازن والارتقاء الفكري والعاطفي.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020