||

الانتقام من الذات بين الصراع الداخلي وضغوط المحيط

7 نوفمبر، 2024

أشواق شتيوي

‏⁦‪@ASHWAG_SHETEWI‬⁩

الانتقام من الذات ليس مجرد فعل مادي يُمارَس على الجسد، بل هو امتداد لمعركة أعمق تُخاض في أعماق النفس الإنسانية، حيث يتصارع العقل بين الفكرة والواقع، وبين الأمل وخيبة الأمل.

 هو انعكاس لتصادم قوى متناقضة داخل الإنسان، يسعى من خلالها إلى تهدئة ألم نفسي يعجز عن التعبير عنه لفظياً أو تحليله منطقياً. 

قد يظهر هذا الانتقام في أشكال عدة، ليس فقط كأفعال مادية تؤذي الجسد، بل كصورة نقد ذاتي قاسٍ، أو كالسماح للعقل بالانغماس في مشاعر الذنب والعار، أو حتى في تبني عادات مؤذية مثل الإهمال الذاتي أو إهمال الصحة النفسية والجسدية.

 

غالباً ما يكون هذا الانتقام من الذات انعكاساً لضغط اجتماعي مكبوت؛ حيث يشعر الفرد، في ظل معايير المجتمع والأسرة الصارمة أو المتسيبة، كأنه لم يكن كافياً أو خيب آمال من حوله. 

 

الأسرتان، سواء كانت صارمة في فرض المعايير أو متسيبة في غياب الدعم العاطفي، تشتركان في إهمال التعبير عن المشاعر أو توفير بيئة آمنة للتواصل العاطفي. 

يشعر الفرد بالعجز عن تلبية توقعات محيطه أو يعجز عن الحصول على الدعم العاطفي الذي يعزز ثقته بنفسه.

 

بدلاً من مواجهة هذه التوقعات المفروضة عليه، يُحوِّل غضبه وإحباطه نحو ذاته، وكأنه يُحمِّل نفسه مسؤولية عدم تلبية تلك المعايير. 

وهكذا، يصبح الانتقام من الذات وسيلة غير واعية للتعبير عن العجز في مواجهة هذا المحيط.

 

ربما تكمن جذور الانتقام من الذات في التجربة الفردية للشعور بالضعف والهشاشة، حيث يولد الشعور بالذنب أو العار حاجزاً نفسياً يجعل البعض ينظرون إلى أنفسهم كأعداء يجب معاقبتهم. 

 

يتناسون قيمة التسامح مع الذات، وهي الخطوة الأولى نحو التصالح الداخلي، والقادرة على خلق مساحة للتقبل والسلام الداخلي.

 

في ظل المجتمعات الحديثة، تتعقد هذه المشاعر، إذ تغرس في الأفراد قيم النجاح، الإنتاجية، والتميز بشكل قد لا يتماشى مع حاجاتهم النفسية العميقة. 

يعيش الفرد وسط ضغوط اجتماعية مكثفة، تجعله يشعر أحياناً بأنه عليه أن يدفع ثمن إخفاقاته أو جوانب قصوره. 

 

هذا الفهم يجعل من انتقام الذات ليس فقط نتيجة لاختلالات نفسية، بل انعكاساً لثقافة تفرض عليه ضغوطاً يصعب معها قبول الضعف الطبيعي كجزء من التجربة الإنسانية.

 

عندما نفهم الانتقام من الذات من هذا المنظور، ندرك أن التغلب عليه يتطلب تغييراً شاملاً، ليس فقط على مستوى العلاج الفردي، 

بل أيضاً على مستوى الوعي الاجتماعي. فبدلاً من النظر إلى النجاح والإنتاجية كقيم حتمية، يجب تعزيز قيم التقبل والتعاطف مع الذات. 

 

قد يكون ذلك من خلال التعليم الذي يعزز فكرة تقبل الفشل كجزء من النمو، أو من خلال الدعم المجتمعي الذي يحتفي بتجربة الإنسان بعيوبها وتحدياتها، وليس فقط بإنجازاتها.

على المستوى الشخصي، يبدأ هذا التغيير بإدراك أهمية التسامح مع الذات كوسيلة لبناء علاقة سليمة مع النفس. التسامح هنا ليس تنازلاً عن تحسين الذات، 

بل هو اعتراف بأننا بشر، وأن الخطأ جزء من التجربة. فقط عندما نتمكن من قبول ضعفنا، يمكننا أن نبدأ عملية الشفاء الحقيقي من صراع الانتقام من الذات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

26 فبراير، 2026
رمضان وعالمنا الافتراضي

ضيف الله نافع الحربي  ما...

19 فبراير، 2026
فرحة رمضان والاشتياق له

ضيف الله نافع الحربي  ما...

14 فبراير، 2026
كتاب في سطور (255) فوائد…

تلخيص: ابتسام شيخ عمر الحمد...

12 فبراير، 2026
فاقد الاهتمام وفوضوية الفاقة العاطفية

ضيف الله نافع الحربي  حاجات...