||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
رغم التشابه السطحي بين الشفقة والرحمة، فإن الاختلاف بينهما عميق وجوهري، ويؤثر بشكل كبير على العلاقات الإنسانية.
تنبع الشفقة، في جوهرها، من شعور ضمني بالتفوق، حيث ينظر المُشفق إلى الآخر من موقع أعلى، متصورًا إياه كائنًا عاجزًا يستحق الإشفاق.
هذه العلاقة، رغم ما قد تبدو عليه من رحمة، تُعزز حالة الضعف لدى المُشفق عليه وتُبقيه في دائرة الاعتماد، مما يعزز شعور الهيمنة لدى المُشفق.
وبذلك، تغذي الشفقة حالة من التبعية، وتُبقي الآخر أسيرًا لحالة العجز، دون تحفيز له على تجاوزها.
مثالٌ على ذلك هو المتسول الذي يتلقى المال يوميًا من شخص بدافع الشفقة.
هنا، يتجلى كيف يعزز هذا الفعل اعتماده على المساعدات، مما يُحافظ على الوضع القائم دون تغيير جذري.
هذا السلوك يُعيد إنتاج حالة الضعف، متخفيًا في صورة تعاطف ظاهري، لكنه في العمق يبقي المتسول في حالة عجز مستمرة.
أما الرحمة، فهي تتجاوز الشفقة في جوهرها، حيث تنبع من فهم عميق للضعف كجزء من التجربة الإنسانية المشتركة.
الرحمة ليست مجرد استجابة لحالة ضعف عابرة، بل هي دعوة إلى التحرر الذاتي وإعادة اكتشاف القوة الداخلية.
تسعى الرحمة إلى رؤية الآخر ككائن مساوٍ يمتلك قدرة كامنة على التحول والتطور.
في المثال السابق، تتجسد الرحمة في تقديم وسيلة تمكّن المتسول من تحسين وضعه، كفرصة عمل أو توجيه نحو موارد تساعده على الاستقلال.
هذه الرحمة تتجاوز المساعدة المؤقتة، حيث تهدف إلى تحرير المتسول من التبعية وإطلاق إمكانياته الذاتية نحو الاستقلالية.
الفرق الجوهري بين الشفقة والرحمة يتجلى في غايتهما.
الشفقة تُعزز حالة العجز، بينما الرحمة تهدف إلى إيقاظ الوعي وتعزيز الإرادة، فتدفع الآخر إلى تجاوز ضعفه وإعادة بناء نفسه.
إنها تعقل تحرر ودعوة لتحقيق الوجود الكامل، حيث يُرى الإنسان ككيان قادر على التغيير والنضج.
لذا، فإن الرحمة ليست مجرد فضيلة إنسانية، بل هي ممارسة تُعيد صياغة العلاقات، فترتقي بها من مستوى التبعية إلى مستوى التمكين.
إنها دعوة لتعزيز كرامة الإنسان، ولتأكيد أن كل فرد يستحق فرصة للتحول والنمو، مما يؤدي إلى بناء مجتمع أكثر توازنًا وعدالة.
الرحمة تفتح آفاقًا جديدة للأمل والتمكين، حيث يمكننا أن نرى في الآخرين قدراتهم الخفية، ونساعدهم على تحقيق ذواتهم بعيدًا عن التبعية.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020