||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
الحب، بوصفه فعلًا وجوديًا، يقف في مواجهة القهر ليس فقط لأنه يكتفي بإخماد صوت الحب،، بل يمتد ليغتال الجوهر الروحي للإنسان، معطّلًا بذلك أفق المشاعر ومعنى الوجود.
القهر يُفقد الإنسان القدرة على التواصل الوجودي الصادق، ويحوّل العقل إلى سجين داخل حدود غير مرئية، حيث يعجز الإدراك عن احتواء الواقع كما هو.
في جوهره، الحب يتطلب حرية الذات؛ تلك الحرية التي تمنح الإنسان قدرة التعبير الصافي عن ماهيته.
وفي غياب هذه الحرية، يتحول التفاعل الإنساني إلى مشهد زائف، حيث تصبح المشاعر ظلالًا مقموعة تئن تحت وطأة الخوف الذي يتغلغل في كل التفاصيل.
القهر ليس فعلًا خارجيًا فقط، بل هو عملية داخلية تزرع العجز والانكسار في الوعي الإنساني، مما يعمّق الاغتراب النفسي والجسدي.
المقهور يتحول إلى كائن قلق، مشغول بالشكوك، فاقد للثقة في ذاته وفي العالم من حوله.
هذه الشكوك المتواصلة تؤدي إلى تآكل الروابط الإنسانية، وتجعل من الاغتراب حقيقة لا مفر منها، حيث تتلاشى القدرة على بناء علاقات مبنية على الأمان والاحترام.
القهر، إذ يُمارَس على الآخر، يكشف جانبًا مظلمًا من ذات القاهر؛ كائنًا غارقًا في فراغ روحي لا يدركه.
القاهر لا يعرف الحب، لأنه يغذي وجوده من بؤس المقهورين، متخذًا القهر وسيلة لتحقيق ذاته المشوهة.
يجد القاهر لذته في السيطرة وفي ممارسة العنف الرمزي والمادي، ليغرق في هاوية ذاته المغلقة.
هذا الكائن لا يدرك ماهية الحب، إذ يحاول ملء فراغه بالقسوة والظلم.
ومع ذلك، فإن المحب الحقيقي، بوعيه النافذ، يرى الظلام الذي يسكن القاهر ويدرك أن أفعاله تعبير عن عجزه العميق في فهم الحب.
القهر ليس مجرد ممارسة اجتماعية، بل هو فعل يعيد تشكيل المجتمع في صورة مشوهة، ممزقًا نسيج العلاقات الإنسانية.
في ظل القهر، ينعدم الحب، لأن الحب يحتاج إلى فضاء قائم على الاحترام المتبادل، والفهم العميق، والتضامن الروحي، وكل هذه القيم تتلاشى تحت وطأة القهر.
رفض المحب للقهر ليس موقفًا ذاتيًا أو ظرفًا عابرًا، بل هو فهم عميق للطبيعة الإنسانية والقيم الكونية المرتبطة بالحرية والكرامة.
هذا الرفض ليس رد فعل عاطفيًا فحسب، بل يعكس وعيًا بأن القهر يتناقض مع النظام الأخلاقي للوجود، وأن كرامة الإنسان جزء لا يتجزأ من النسيج الكوني.
المحب، بعينه المليئة بالرحمة والوعي، يرى جراح الروح في قلب القاهر.
الحب، في جوهره، نور داخلي لا يستطيع القهر إطفاءه؛ إنه فعل مقاومة وجودية يعيد للإنسان قدرته على التحرر والبناء.
الحب يشعل شرارة الحرية التي تعيد بناء الروابط الإنسانية التي هدمها القهر.
في مجتمع حر من القيود القهرية، تنبض القلوب بنبض الحرية، وتتشكل العلاقات على أسس تتجاوز الخوف والعوائق.
وهكذا، يصبح الحب دعوة لتحرر الذات من قيود القهر، وفضاء يتجلى فيه الإنسان بوصفه كائنًا حرًا، يتجاوز ذاته ويعبر عن إنسانيته.
الحب لا ينمو إلا في تربة تُروى بالعدل وتغذى بالأمل والاحترام المتبادل.
في هذه التربة، يزهر الحب من جديد، ليعيد للروح أسس الحياة التي سلبت منها تحت وطأة الظلم.
يصبح الحب منارة وجودية، تضيء الطريق نحو ذات حرة، وتكشف عن الظلام الذي يغلف روح القاهر، معلنة بداية حياة جديدة لا مكان فيها للقهر والظلم.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020