||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
يُعد التسامح من أسمى الفضائل الإنسانية وأساسًا للتفاهم والاحترام المتبادل في العلاقات البشرية. لكن، هل يمكن أن يتحول إلى عذر لتجاهل الظلم أو الهروب من مواجهته؟ وهل يصبح التسامح، دون أن يقترن بالعدل، وسيلة لإدامة الظلم بدلاً من القضاء عليه؟
كثيرون يدعون إلى التسامح باعتباره قيمة نبيلة، لكنهم يغفلون أن التسامح الذي لا يترافق برفض الظلم والوقوف ضده، يمكن أن يكون شكلاً من أشكال التواطؤ الخفي. فالتسامح الذي لا يسعى لتغيير الواقع الظالم يتحول إلى نوع من الاستسلام أو الانحياز الصامت، تحت مسمى السلام الداخلي أو المحافظة على العلاقات.
إن التأمل في جوهر الظلم يكشف أنه ينطلق من ضعف النفس البشرية وانغماسها في الطمع والغيرة والحسد.
فالإنسان الظالم، غالبًا، يكون أسير رغباته الذاتية، يتخذ قراراته من منطلق الأنانية والتمييز، غير مكترث بمعاناة الآخرين. هذه النزعات الأنانية تحجب عنه رؤية العدالة وتدفعه لتبرير أفعاله غير الأخلاقية.
ولا يقف الأمر عند حدود الجاني فحسب؛ فالظلم يُخلف آثارًا عميقة على من يُمارس ضدهم، إذ يزرع في نفوسهم مشاعر الإحباط واليأس والكراهية.
ويؤدي هذا التأثير السلبي إلى تدهور حالتهم النفسية، وتعثر قدرتهم على تحقيق الأهداف وفهم الأحداث التي يواجهونها، مما يشوش على عواطفهم ويؤثر سلبًا في أساليب تفكيرهم وحياتهم.
من هنا، يظهر أن التسامح الحقيقي يتطلب مواجهة الظلم ومعالجة جذوره النفسية وآثاره الاجتماعية.
لا يكفي أن نرفع شعار التسامح في وجه الظلم دون أن نعمل على تفكيك دوافعه ومعالجة أضراره.
إن التسامح الذي لا ينبع من وعي عميق بالعدالة لن يكون إلا ظاهريًا وسطحيًا.
لذا، يجب على من ينادي بالتسامح دون أن يدرك ضرورة العدل كأساس لأي سلام مستدام، أن يعيد النظر في قيمه الأخلاقية.
فالتسامح لا يعني التواطؤ أو الخنوع، بل هو موقف شجاع يدعو لمواجهة النفس والآخرين بصدق، والعمل لتحقيق العدالة كمبدأ أساسي.
التسامح الحقيقي يضعنا في مواجهة مع ذواتنا ومع الآخرين، لنتحدى الظلم ونعالج تبعاته، ونذكر أنفسنا بواجبنا الأخلاقي في مكافحة الظلم وتعزيز العدالة، ومعالجة الجراح النفسية التي يخلفها الظلم في النفوس.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020