||

في رحاب الترند

11 يوليو، 2026

حنان فهد الحربي 

@Hananalharby100

ما أسرع الزمن حين يمتطي صهوة التقنية ! وما أعجب الإنسان وهو يلهث خلف كل جديد ، حتى غدت أيامه تُقاس بما يتصدر الشاشات ، لا بما يرسخ في العقول . وبين ومضة إشعار ، ولمسة إصبع ، يولد “ترند”، فيجتمع حوله الناس ، وتتشابك الآراء ، وتتسابق الكلمات ، ثم لا يلبث أن يأفل كما يأفل النجم إذا انقضى ليله . وهكذا أصبح الترند ضيفًا دائمًا في حياتنا ، يقتحم مجالسنا ، ويشاركنا أحاديثنا ، ويؤثر في أفكارنا وسلوكنا ، حتى بات جزءًا من المشهد اليومي الذي لا يكاد يغيب .

وليس الترند في ذاته خيرًا مطلقًا ولا شرًا محضًا ، بل هو صورة تعكس اهتمامات المجتمع ، ولسانٌ ينطق بما يشغل الناس في لحظة من الزمن . فقد يحمل في طياته قضيةً إنسانية توقظ الضمائر ، أو إنجازًا علميًا يبعث الفخر، أو مبادرةً نبيلة تُحيي روح التعاون ، وقد يكون في المقابل موجةً من اللهو العابر ، أو خبرًا مضللًا، أو جدلًا لا يورث إلا الفرقة وإهدار الأوقات .

لقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي أبوابًا واسعة للإبداع ، فلم يعد القلم حبيس الورق، ولا الفكرة أسيرة المكان . وأصبح كل إنسان قادرًا على أن يبلغ بصوته الآفاق ، وأن ينشر علمًا ، أو يغرس قيمة ، أو يرسم بسمة ، أو يوقظ أملًا في قلب يائس . وكم من فكرة صغيرة وُلدت في فضاء الإنترنت ، ثم كبرت حتى أصبحت مشروعًا نافعًا ، أو حملةً إنسانية امتدت آثارها إلى آلاف المحتاجين .

غير أن الرياح لا تأتي دائمًا بما تشتهي السفن ؛ ففي زحام الترندات تضيع أحيانًا الحقيقة بين الضجيج ، ويختلط النفيس بالغث ، ويصبح عدد المشاهدات ميزانًا للنجاح ، لا جودة الفكرة ولا صدق الرسالة . فيندفع بعض الناس إلى تقليد كل رائج ، ولو كان خاليًا من المعنى، ويظنون أن الشهرة غاية ، مع أنها قد تكون وسيلة ، وأن كثرة المتابعين دليل على القيمة ، مع أن القيمة الحقيقية تُبنى بالعلم ، والأخلاق ، والعمل الصالح .

وما أشد حاجة الإنسان في هذا العصر إلى عقلٍ ناقد ، وقلبٍ بصير ، لا يخدعه بريق العناوين ، ولا تأسره سرعة الانتشار . فالوعي هو المصباح الذي يبدد ظلمات التضليل ، وهو الدرع الذي يحمي الفكر من الانسياق خلف كل صوت مرتفع . وليس من الحكمة أن نصدق كل ما يُنشر ، أو أن نشارك كل ما يُتداول، فالكلمة أمانة ، والمعلومة مسؤولية، وما يُكتب اليوم قد يبقى أثره سنوات طويلة .

إن أجمل ما يمكن أن نصنعه في رحاب الترند هو أن نجعل منه وسيلةً لصناعة الوعي ، لا أداةً لصناعة الوهم ؛ وأن نستثمر انتشاره في نشر العلم ، وتعزيز القيم، والدعوة إلى الخير ، وإحياء ثقافة القراءة ، وإبراز النماذج الملهمة التي تستحق أن تُعرف وتُحتذى . فالمجتمعات لا تنهض بالضجيج ، وإنما ترتقي بالفكر ، ولا تُبنى بالمظاهر ، وإنما تُشاد بالعمل والإخلاص .

ولنتأمل قليلًا : كم من ترندٍ ملأ الدنيا صخبًا ثم تلاشى حتى لم يعد أحد يذكره ؟ وكم من كلمة صادقة بقي أثرها في القلوب رغم أنها لم تتصدر الشاشات ؟ إن ما يبقى ليس ما يثير الفضول لحظة ، بل ما يغرس أثرًا يدوم . فالأفكار العظيمة لا تحتاج إلى ضجيج ، والقيم النبيلة لا تنتظر تصفيقًا ، وإنما يكفيها أن تجد قلبًا يؤمن بها وعقلًا يعمل لأجلها .

ولذلك، فإن المسؤولية لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل تشمل كل مستخدم لهذا العالم الرقمي ؛ لأن كل مشاركة ، وكل تعليق ، وكل إعجاب ، قد يسهم في رفع محتوى نافع أو في نشر محتوى هابط . فلنسأل أنفسنا قبل أن نضغط زر النشر : هل فيما أنشر منفعة ؟ وهل أكون سببًا في نشر خير أم في زيادة الضجيج ؟ فإن كانت الإجابة مطمئنة ، فامضِ واثقًا ، وإن لم تكن كذلك ، فالصمت أحيانًا أبلغ من ألف منشور .

وفي الختام يبقى الترند موجةً تعبر الزمن ، أما الإنسان الواعي فهو الذي يعرف متى يركبها ، ومتى يدعها تمضي دون أن تجرفه . فلنكن أصحاب رسالة لا أسرى شهرة ، وصناع أثر لا جامعي إعجابات ، ولنجعل من حضورنا في العالم الرقمي امتدادًا لأخلاقنا وقيمنا . فكم من ترندٍ انتهى بانتهاء يومه ، وكم من كلمة صادقة بقيت تنير الدروب جيلاً بعد جيل . وما أجمل أن يكون الإنسان هو من يصنع القيمة ، لا من يكتفي بملاحقة كل ما هو رائج .

 

ختاماً :

وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي

إذا قلتُ شعرًا أصبحَ الدهرُ مُنشِدَا

13 رد على “في رحاب الترند”

  1. مبدعه نحن صناع آثر وليس مع القوم ياشقراء 👌🏻👏🏻👏🏻

  2. يقول ماجدة الحربي:

    “القيمة الحقيقية تبنى بالعلم والأخلاق والعمل الصالح “

  3. يقول ابو بسام:

    اللهم يوفقك في مسعاك ، ويفتح لك أبواب رزقك، ويجعل النجاح حليفك في كل خطوة تخطينها .

  4. يقول ابو بسام:

    اللهم يوفقك في مسعاكي ، ويفتح لك أبواب رزقك، ويجعل النجاح حليفك في كل خطوة تخطينها.

  5. يقول ابو بسام:

    اللهم يوفقك في مسعاكي ، ويفتح لك أبواب رزقك، ويجعل النجاح حليفك في كل خطوة تخطينها.

  6. يقول بنت أبوها:

    وفقك الله دوماً
    كلام في الصميم فهل من فهيم
    نفع الله بك وبكتاباتك الرائعة ✨✨

  7. يقول بنت أبوها:

    وفقك الله دوماً
    كتاباتك جميلة كجمال فكرك الراقي
    والارقى اخلاقك الرائعة في اختيار عبارات
    الاقناع الصادقة من قلبك وكلامك في الصميم
    فهل من فهيم
    الى الامام وسدد الله خطاك👍👍👍

  8. يقول ناديه الحربي:

    ماشاءالله مبدعه دوماً كلماتك وطرحك جميل الى الأمام كاتبتنا المتالقه

  9. يقول وجدان:

    عزيزتي يعجبني طرحك للمواضيع التي توافق الأحداث الحاصله بورك في جهدك وبورك قلمك

  10. يقول لطوف الحربي ♥️:

    مبدعة الله يوفقك وينفع بكلماتك 🤍

  11. يقول محمد سلطان المغربي:

    طرح راقٍ وأسلوب مميز. لفتِ الانتباه إلى الترند من زاوية واعية وعميقة، بعيدًا عن الانجراف وراء الضجيج. مقال يستحق القراءة، وكل الشكر لكاتبة المقال على هذا الطرح الجميل

  12. يقول محمد سلطان المغربي:

    مقال مميز يجمع بين الطرح الواعي والأسلوب السلس، وقدمتِ فيه قراءة عميقة لظاهرة الترند بعيدًا عن السطحية. أعجبني تحليلك المتوازن وربطك بين تأثير الترند على المجتمع والفرد، مع طرح أفكار تدعو للتأمل والنقاش. شكرًا لك على هذا المحتوى الراقي، وبانتظار المزيد من إبداعاتك

  13. يقول ،،،:

    جميل
    بارك الله فيك يامبدعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

23 يوليو، 2026
النوايا المبتسمة

ضيف الله نافع الحربي  كثير...

16 يوليو، 2026
انحراف وجهات النظر

ضيف الله نافع الحربي  لن...

9 يوليو، 2026
المسؤولية الذاتية في مواقع التواصل

ضيف الله نافع الحربي قبل...

2 يوليو، 2026
احترام المشاعر وتأكيدها

ضيف الله نافع الحربي في...

أوراق أدبية