||
د.شيخة الحربي
@BNT_HAMED_A
في كل مجتمعٍ تُبنى الجدران قبل أن تُفتح النوافذ، نشيّد الأسوار حول أفكارنا، ونضع لافتاتٍ على العقول: هذا معنا، وذاك ضدّنا، كأنّ الحق لا يسع إلا فريقًا واحدًا، وكأنّ الخلاف لا يُحتمل إلا على مضض.
لقد تحوّل الحوار في كثيرٍ من الأحيان إلى اختبار ولاءٍ فكريٍّ أو اجتماعيٍّ،
فمن لم يُشبهنا، خسر شرعية الانتماء، ومن سأل أكثر مما يجب، صار موضع شكٍّ أو اتهام، إنها ثقافة الإقصاء.
حين تتحوّل الفكرة إلى سلاحٍ، والاختلاف إلى تهديدٍ يجب إسكاتُه لا فهمُه، نقصي المختلف لأننا نخاف من مرآته، نصنّف الناس كي لا نُتعب أنفسنا في فهمهم، نُريح عقولنا بالصور الجاهزة والأحكام المعلّبة، فنعيش مطمئنين… لكن على حساب الحقيقة.
ثقافة التصنيف لا تدمّر التنوع فقط، بل تُفقر الوعي، فكلما انكمشت مساحة الإصغاء، تمدّد الجهل في ثوب يقينٍ زائف، وما أكثر أولئك الذين يظنون أنهم يحمون القيم، بينما هم في الحقيقة يطردونها من ساحة النقاش.
لقد آن الأوان أن ندرك أن الاختلاف لا يهدّد الهوية، بل يكشف قوتها، وأن المجتمعات التي تخاف من الأصوات المتعددة، هي في الحقيقة تخشى أن تسمع نفسها.
ليس من الضروري أن نتشابه لنحترم، ولا أن نتفق لنلتقي، فالحوار لا يعيش في القوالب المغلقة، بل في المساحات التي تحتمل ضوء الفكرة وتواضع الإنسان.
إن أول خطوةٍ لاستعادة الحوار المفقود، أن نكفّ عن تصنيف الناس إلى أبيض وأسود، وأن نتعلم كيف نرى الجمال في التدرجات الرمادية التي بينها.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020