||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
يشكل الاضطراب المشاعري بين الجنسين في العديد من المجتمعات المعاصرة تجليًا عميقًا لتحولات اجتماعية وثقافية لم تستوعب بعد على نحو كافٍ. وهو اضطراب لا يُقرأ فقط بوصفه حالة شعورية طارئة، بل باعتباره امتدادًا لتوتر بنيوي ناتج عن إعادة تشكيل الأدوار التقليدية في ظل صعود خطاب تمكين المرأة وتغير أنماط توزيع السلطة الرمزية داخل الفضاءين الأسري والعام.
لقد رسّخت المجتمعات، عبر تراكم تاريخي طويل، منظومات ثقافية جعلت من الدور الذكوري معيارًا مرجعيًا للقيادة والحماية، مقابل تأطير المرأة ضمن أدوار الرعاية والتبعية.
ومع تسارع التحولات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، بدأ هذا النسق في التفكك، الأمر الذي أعاد طرح سؤال الهوية لدى الطرفين، خاصة حين أصبحت النساء فاعلات في المجال العام، ومشارِكات في إنتاج القرار، لا مجرد متلقيات له.
هذا التحول، وإن كان ضروريًا ومنصفًا، إلا أنه لم يُواكب غالبًا بمنظومة تربوية أو معرفية قادرة على دعم التكيف النفسي والسوسيولوجي معه. فالرجل الذي تشكل وعيه ضمن إطار معياري محدد، قد يواجه هذا التغير بمشاعر دفاعية أو انسحابية، نتيجة شعوره الضمني بفقدان امتيازات كانت تُعد طبيعية.
أما المرأة، فغالبًا ما تكون بين مطرقة الطموح وسندان الأحكام المسبقة، مما يضيف أعباءً نفسية وشعورية تجعل من الحضور المتوازن تحديًا يوميًا.
ينشأ الامتداد المشاعري المضطرب من غياب البنية الحوارية التي تسمح بإعادة التفاوض على المعنى المشترك للعلاقة الإنسانية بين الجنسين. إذ يفتقد الطرفان غالبًا إلى أدوات فهم الآخر خارج الإطار النمطي، فتتحول المطالب إلى تهديدات، ويصبح السعي نحو الإنصاف تفسيرًا للهجوم، لا لبناء الشراكة.
إن تجاوز هذا الاضطراب لا يكون بإعادة إنتاج الصراع أو ترسيخ خطاب التفوق لأي من الطرفين، بل بفهم أكثر نضجًا للطبيعة التفاعلية للهوية الجندرية، ولحقيقة أن العلاقات الصحية لا تُبنى على الثبات، بل على القدرة المستمرة على إعادة التكيف، دون خيانة للجوهر الإنساني للطرفين.
إن الحاجة اليوم ملحة إلى مقاربات تربوية ونفسية تعيد تشكيل الوعي الجمعي بعيدًا عن ثنائيات السيطرة والخضوع، وتُرسّخ بدلًا منها قيم التكامل والاعتراف. فتمكين المرأة لا يعني تهميش الرجل، بقدر ما هو تحوّل نحو توازن أكثر عدلاً، يعترف بإنسانية الجميع، ويؤسس لمساحات مشتركة من الفهم المتبادل.
بهذا المعنى، فإن الامتداد المشاعري المضطرب ليس نهاية العلاقة بين الجنسين، بل فرصة لإعادة تعريفها على أسس أكثر عمقًا، تتجاوز الوراثة الثقافية إلى تأسيس أخلاقيات جديدة للمشاركة والتعايش.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020