||
مطر آل عاطف
النقاط العمياء ليست لما لا تصطاده الكاميرات فقط ففي الأدب العربي صاحب أغنى لغة عرفتها البشرية اللغة العربية له نقاط عمياء لا يراها الكثيرون وانا هنا لست اتبجح بذائقتي الأدبية إنما اعرض ما ظهر لي ولست الزم أحد بوجهة نظري فالموسيقا و الطعام والشعر والفنون و الفريق الذي تحب تشجيعة في كرة القدم هي أهواء وامزجة للناس لا نستطيع التحكم بها.
المتنبي ماليء الدنيا وشاغل الناس كما يتردد على أفواه المنظِّرين والمحاضرين وهو وقعاً ؛ شاعر لا يشق له غبار جعل من ابياته حكمة عند الناس حينما يحل وقتها فكلما فات على أحد شيء من حوائج الدنيا ردد البيت الشهير:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
وهلم جر على هذا من ابياته الخالدة:
إن أنت اكرمت الكريم ملكته
و إن أنت اكرمت اللئيم تمردا.
وهكذا دواليك… لكن بعد مراجعات كثيرة وحفظ متقن ولله الحمد لكثير من قصائده رأيت رأياً جديداً يضاف إلى الحكمة في قصائد المتنبي إلا وهو الرعب بل لا أبالغ إن قلت انه في قصائد كثيره له أظهر من الحكمة وهو السمة الغالبة عليه وسآتي ببعض القرائن لأثبت
صحة دعواي فالصور المرعبة التي فاقت صور افلام هوليوود المشهورة بالرعب بائنة كالشمس في رابعة النهار ولا ندري هل اقتبس العاملين في الإنتاج السينمائي بهوليوود من نور كلمات المتنبي ام لا وبما أن أي كاتب سيناريو وحوار و اي مخرج بالضرورة أن يكونوا مثقفين ومطَّلِعين و محيطين بما يرفع من شأن أعمالهم الفنية لأن الأمر تعب واكل عيش و عمل قد يخلد في التاريخ مثل سلسلة أفلام saw و hush وبلا شك لأبناء جيلي يعرفون لعبة وسلسلة افلام ريزيدنت ايفل (الشر المقيم) هذه لحظات ستضل محفوظه ومحفورة في عقول الكثيرين ومهمة للفنان والقائمين على العمل لأنهم يرغبون بالخلود في صفحات التاريخ وكأني وانا اتابع افلام الرعب الأمريكية اشتم رائحة الصور المخيفة التي ذكرها المتنبي في شعره موجودة في مشاهد افلامهم.
من خلال متابعة سيرته حينما كان في حلب وجلس مع سيف الدولة الحمداني ورافقه في سِلْمِه و حربه يترائى لي أن سيف الدولة كان مقاتل لا يشق له غبار و محترف باستخدام السيوف والرماح لسبب أن المتنبي لا يعجبه اي احد بكل سهولة و أيضاً المؤرخون يجمعون على أنه ربح جُلَّ معاركه مع الروم و بيزنطه وقد خَلَّد المتنبي انتصارات سيف الدولة بشعره ووصفه الدقيق لما حدث مع جحافل الرومان والصليبيين.
انظر لقصيدته المشهورة عن سيف الدولة وحربه مع الروم في موقعة الحدث المشهورة التي كان مطلعها حكمة تقال إلى يومنا هذا:
عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
إلى أن تظهر الصوره المرعبة في بيته الخالد :
وَما ضَرَّها خَلقٌ بِغَيرِ مَخالِبٍ
وَقَد خُلِقَت أَسيافُهُ وَالقَوائِمُ
هو يقول لا تحتاج الطيور الجارحة لمخالبها لأن سيف الدولة له ولجيشه سيوف وللسيوف قوائم تقوم محل مخالب النسور فتطعم فراخها اكلً من جثامين جيوش الروم وهذه بلا شك صورة مخيفة…ويليه بيت قمة في الرعب لا اظن ان إنساناً على وجه الارض جاء به أو مخرج استطاع أن يصور ما يشبهه :
سَقَتها الغَمامُ الغُرُّ قَبلَ نُزولِهِ
فَلَمّا دَنا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ
يقول بوضوح كانت تمطر في منطقة الحدث قبل وصول جيش المسلمين لميدان المعركة وحين وصولهم امطرت جماجم جيش الروم من حِدَّة الضرب بالسيوف الهندية بأيدي الفاتحين ؛ وانا أزعم أنني رأيت معظم افلام الرعب و الخيال العلمي فلم أجد صورة استطاع أحد إصدارها تشبه هذا الأمر و هذا بظني أرهب بيت مسطور في شعر بشري فهو جاء بالبداية كيف يتحرك البطل وكيف ينهي ما جاء لأجله في شطر واحد و بنهاية ملحمية.
وَكانَ بِها مِثلُ الجُنونِ فَأَصبَحَت
وَمِن جُثَثِ القَتلى عَلَيها تَمائِمُ
يروي النُقْاد أن سيف الدوله غير الشطر الثاني وقد كان و من جيف القتلى عليها تمائم فطلب من المتنبي أن يغير جيف إلى جثث لأن ام سيف الدولة ستسمع القصيدة ولم يحب سيف الدولة أن يكون فيها كلام مقزز يلج لمسامع أذن امه وقد كان ملكً باراً بوالدته.
ما يهمني هنا هو الصورة لك أن تتخيل أن جثث فرسان الروم صورها المتنبي وهي معلقة بالابراج وكأنها التمائم التي كانت تعلق على الناس في الجاهلية لدفع ضر او سحر او عين.
ومن أرعب وارهب الصور للخصوم الاقوياء هو تصوير المتنبي لجيش الروم وهم مقبلين :
أَتوكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كَأَنَّهُم
سَرَوا بِجِيادٍ ما لَهُنَّ قَوائِمُ
إِذا بَرَقوا لَم تُعرَفِ البيضُ مِنهُمُ
ثِيابُهُمُ مِن مِثلِها وَالعَمائِمُ
خَميسٌ بِشَرقِ الأَرضِ وَالغَربِ زَحفُهُ
وَفي أُذُنِ الجَوزاءِ مِنهُ زَمازِمُ
فهو يقول من شدة تدريعهم وحصانتهم جاءوا بفرسان وخيل مدرعة من أعلاها لاسفلها لدرجة أننا لا نرى اقدام خيلهم واذا قامت سيوفهم وانحنت فهي كالبرق من شدة صقلها وحدتها وهو جيش عرمرم حتى نجوم الجوزاء
معلقة بها زمازم من هدير جيشهم.
وهذه صورة مرعبة ولكن جيش المسلمين كان اقدر واقوى بفضل من الله وذكرني هذا الموقف بقصة نبينا ﷺ وأصحابه و بآية قرآنية في سورة آل عمران حينما اجتمع العرب على تخويف نبينا وأصحابه من الكافرين وجيشهم يقول الحق تبارك وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
فانتصر نبينا ﷺ وأصحابه و من بعدهم سيف الدولة وجحافل المسلمين في حلب الشهباء وقد كان نصيب سيف الدولة من الصور المرعبة التي صاغها المتنبي الكثير وغير سيف الدولة و لم تخلو الصور المرعبة عند المتنبي من الخيال العلمي الذي يذكرني بالمفاجآت و الغرائب الموجودة بسلسلة افلام هاري بوتر وحجر الفيلسوف ولا استبعد اقتباسهم من ابياته كما اقتبس هو من اليونانيين الكثير اليك صورتين رائعتين من قصيدتين مختلفتين تظهر فجأة وكأنك تتابع فلم خيال علمي…
وَتَضرِبَهُم هَبراً وَقَد سَكَنوا الكُدى
كَما سَكَنَت بَطنَ التُرابِ الأَساوِدُ
وَتُضحي الحُصونُ المُشمَخِرّاتُ في الذُرى
وَخَيلُكَ في أَعناقِهِنَّ قَلائِدُ
هنا تجد أن المتنبي صور ضرب سيف الدولة بسيفه جنود العدا وبعد ضربهم وطعنهم سكنوا التراب كما يدخل الثعبان لجحره بمجرد طعنة من سيفه ليست كفيلة بالقتل فحسب بل بتسكينهم التراب قبراً لهم من هول الضرب و حينما يمشي بخيله وفرسانه نحو حصون الأعداء وقلاعهِم يبدوا للناظر البعيد وكأن الخيل بمثابة قلادة تحلت بها القلعة وهي صورة تذكرني بمشاهدة فلم إنتاج بريطاني
Lord of the ring سلسلة أفلام سيد الخواتم
وكذلك مشابهة لصور فلم mortal Kombat
وعند مدحه لعلي الحاجب في ما يعرف بالقصيدة الدينارية يقول :
أُسُدٌ فَرائِسُها الأُسودُ يَقودُها
أَسَدٌ تَصيرُ لَهُ الأُسودُ ثَعالِبا
صوَّر في البيت اعلاه علي الحاجب وجنوده على هيئة اسود تفترس اسود تحولت إلى ثعالب من قوة وأصالة علي الحاجب وجنوده و هم عنده الاسود الحقيقة وما عداها من سباع فتتحول إلى ثعالب وكلبيات وهي صورة ممزوجة بالخيال العلمي وكأنك تشاهد فانتازيا هوليوودية بامتياز طبق الاصل.
وفي حلب الشهباء حينما انتصر جيش الاخشيديون من مصر وضموا مصر لسلطانهم أرسلوا جيش عرمرم على رأسه مساور بن محمد الرومي وانتزعوا حلب من بن يزداذ والي ابن رائق ، وقال في مدحه المتنبي:
هَبكَ اِبنَ يَزداذٍ حَطَمتَ وَصَحبَهُ
أَتَرى الوَرى أَضحَوا بَني يَزداذا
غادَرتَ أَوجُهَهُم بِحَيثُ لَقِيتَهُم
أَقفائَهُم وَكُبودَهُم أَفَلاذا
في مَوقِفٍ وَقَفَ الحِمامُ عَلَيهِمِ
في ضَنكِهِ وَاِستَحوَذَ اِستِحواذا
جَمَدَت نُفوسُهُمُ فَلَمّا جِئتَها
أَجرَيتَها وَسَقَيتَها الفولاذا
واظن أنني لا احتاج للاسهاب في الحديث عن هذه الأبيات المهيبة يقول بعد نشوة انتصارك من المعركة ما زالت عندك طاقة وتظن أن كل ما بعد يزداذ الملك المدحور مثل يزداذ تريد النيل منهم وقد جعلت حِمَامَ الموت يستحوذ على كيانهم واجسادهم فتجمدت النفوس بالاجسام ولم يحركها الا اصطدام فولاذ سيفك فيهم فأجريتها بعد سكونها من رعب قدومك و رهبة لقائك.
ومن اجمل البيوت المرعبة في ذات القصيدة:
غِرٌّ طَلَعتَ عَلَيهِ طِلعَةَ عارِضٍ
مَطَرَ المَنايا وابِلاً وَرَذاذا
فَغَدا أَسيراً قَد بَلَلتَ ثِيابَهُ
بِدَمٍ وَبَلَّ بِبَولِهِ الأَفخاذا
سَدَّت عَلَيهِ المَشرَفِيَّةُ طُرقَهُ
فَاِنصاعَ لا حَلَباً وَلا بَغداذا.
شبَّه الموت المرسل منه وكأنه وابل مطر أو رذاذ وهي صور لا شك عندي أن افلام الخيال
والفنتازيا اقتبست منها شيء ؛ وشبه آثار الرعب الذي دب في افئدة خصومه بأنهم قد تبولوا على أنفسهم من هول المنظر وهذه صور رعب صِرفْ إلى أن يقول سدت عليه المشرفيه
اي السيوف الطرق فلم يستطيع أن يتجه شرقاً
نحو بغداد و لا إلى الشمال الغربي في حلب وسيفهم كلامي من شاهد سلسلة أفلام saw وكيف أن المعذب كان يحاصر ضحاياه في غرف صغيرة ويضعهم مع الآلات الحادة وهم مكبلين بالاصفاد ويطلب منهم حل احجية الخروج أو الموت.
وهنا أقف عند آخر بيت من اختياري في القصيدة:
فَكَأَنَّهُ حَسِبَ الأَسِنَّةَ حُلوَةً
أَو ظَنَّها البَرنِيَّ وَالآزاذا
يمدح مساور ويقول إنه يحسب الأسنة وهي الرماح وكأنها تمر البرني المشهور وهي عندي بمثابة شهوة مصاصي الدماء لدماء البشر في افلام الرعب الأمريكية خصوصاً.
ولم يسلم الغزل عند المتنبي من أن يخلطه بالرعب أو بالأحرى أن يختلط الرعب بشعره كذلك ففي بيتين من قصيدتين مختلفتين يتحدث عن نفسه ومعاناته ولا تحتاج للشرح ابدا فهي موضحة باللفظ المباشر :
كَفى بِجِسمي نُحولاً أَنَّني رَجُلٌ
لَولا مُخاطَبَتي إِيّاكَ لَم تَرَني.
من شدة الوجد اختفى لحمه وينبغي له أن يتحدث لكي تعرف بوجوده حولك.
جَرَحتِ مُجَرَّحاً لَم يَبقَ فيهِ
مَكانٌ لِلسُيوفِ وَلا السِهامِ.
يشتكي الحمى وما صنعت به مع أنه لا ينقصه حمى تزيد الطين بله فهو مجرَّح بسبب المعارك
قصائد المتنبي والرعب لا ينفكان كحبة الفول لا تستطيع أن تقسمها إلى نصفين إنما تستطيع أن تهرسها بعد الطبخ وتستمتع بالطعم و يصلح أن تكون رسالة الماجستير والدكتوراه لأي طالب في الادب العربي بشرط أن يكشف خبايا ماضي المتنبي وطفولته وما الذي حمل ذهنه على أن يستخرج معاني لا تخطر على بال إنس ولا جان ، قد يكون فتح من الله عليه ولكن من خلال قرائتي في سيرة الشاعر لم اجد الا خبر عن ولادته ورحلاته ثم موته .
المكتبة العربية مع الاسف ليست زاخرة باخبار عن طفولة المتنبي وهي لحظات محورية لفهم عقل هذا الشاعر الفذ وكيف يفكر يا ترى هل تعرض لصدمة نفسية جعلته يستخرج هكذا صور أم لا ؟ والسبب الوحيد الذي جعله بهذا الغنى اللغوي المفرط بالوصف الخيالي للدنيا ورجالاتها وأحوالها (هو أن العراق كان قبلة الكُتَّاب و القارئين وبه من الكتب قبل دخول المغول والتتار ما يكفي العالمين ويزيد أظنه ضاع في مكتبات العراق ومكث بها أكثر من مكوث الجاحظ!!!) ؛ لعلي مخطئ أو مصيب لا ادري ولكن الأكيد أنه لا ينبغي أن نردد ابيات الحكمة التي خرجت من فيه الينا ونكتفي بذاك إنما الإحاطة بظروف نشأته والدراية بمن هم جُلاَّسُه في الصغر ضرورية إن أردنا أن تكتمل الصورة فهذا الرجل المبارك ركن من أركان اللغه العربيه ومن أهم المؤثرين منذ قرون في الحكم والأمثال التي تروى بأفواهنا ولم ندري أنه قائلها الا بعد التبين والتفحص لماذا كان ممن عاشت ابياتهم إلى يومنا هذا هي اسئلة ادبية شيقة تحتاج لعقول فذة وقلوب سئولة دؤوبة لأن المتنبي في صياغة صور الرعب سبق صناع الافلام بل تخطاهم بالراحة .
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020