||

رواية ابن الشمس توافق اللهجة المحلية السودانية مع بيئة المكان البسيطة

14 أغسطس، 2022

مسعدة اليامي _ السعودية

 

عندما تقرأ راوية أبن الشمس, تجد حواسك لا شعوريا تتعايش مع أدق التفاصيل , المسرودة بسرد محكم و عميق جداً
تناقش الروائية الكثير من المشاكل التي تتعثر بها تلك الشريحة البسيطة من المجتمعات,التي تريد أن يكون لها وجود , و أن كان ذلك بأقل القليل, و لكن لا يعني أن تلك الشخصيات التي تتماها مع واقع الحياة في كثير من الصعوبات التي يقع بداخلها الفقراء, و ذوي الدخل المحدود, فالجميع يبحث عن فسحة أمل, و استقرار و أن كان ذلك في ماخور أو تحت الشمس أو على الرصيف أو في بيت ضيق!.
الرواية كانت عبارة عن رغيف خبز قسمى بين شخصيتين أرى أنهما الشخوص الرئيسة أو (الدينمو) المحرك لجميع الأحداث في العمل بحيث تقاسم ذلك كرم و جمال.
و أن كان اللقاء الذي جمع بينهما غريب جداً,فالأول كان عامل في مشرحة يفضل التحدث مع الموتى لدرجة أنك تشعر أنه شخص مصاب بمرض التوحد, و الثاني جثة كانت لها حياة وأرى أنهُ أخذ الحيز الأكبر من الرواية.
فجمال الذي أتي من الشارع بعدما عمل في مقهى لإعداد الشاي, ربما لا تتخيل تلك الأحداث و التفاصيل التي تناولتها الكاتبة في ذلك المكان الصغير المشحون بالمشاكل و التناقضات التي تبدأ من عملية تنظيف أكواب الشاي ,و المحافظة عليها و وضع السكر في الإبريق حتى لا يخسر صاحب المقهى كمية من السكر جراء استهتار الزبون, و في حال كسر كوب عليه أن يدفع قيمته من المبلغ الضئيل الذي يتقاضهُ وخلال تلك الدائرة الضيقة ,تحدث مشاكل كثيرة ,مثل الضرب أثناء متابعة المباراة بين الزبائن,و القتل جراءة الكلمات البذيئة التي يتبادلونها أثناء التشجيع!و الفوضى التي تحدث بسبب قدوم رجال الشرطة و الإسعاف و تجمهر الناس و وقوفهم على الطاولات من أجل رؤية الحدث, و في ظل ذلك على جمال و صديقة ابراهومه ألا يتكاسلا عن العمل المتواصل بجمع الأكواب ,و إدخال الطاولات ,و الكراسي من الخارج!
ثم كيف غلبت عليهم وساوس الشيطان ,عندما فكرى في سرقة المخدة التي خُيل لهما أن المعلم سالم كان يضع مالهُ بداخلها ,كونها لا تفارقهُ لا ليل و لا نهار , إلا أن المحاولة كانت فاشلة ,و مع ذلك تم طردهم من العمل فيما بعد .
ناقشة كذلك الكاتبة من خلال ذلك المكان الممثل في المقهى (المثلية) التي كانت تحدث بين صاحب المقهى و أحد العاملين الذي تخلى عنهُ بعدما داس رجلهُ بسيارتهَ,فبدل أن يذهب به إلى المستشفى طلب منهُ أن يذهب إلى من يقوم على تجبير ذلك الكسر,و السبب أنه رجل بخيل حتى على نفسهُ لتكون نهايته بشعة فعندما قُتل ((مثًل)) بجسمهِ بحيث قُطع إلى أَجزاء توزعت في أنحاء البيت ,و ظلت قضيتهُ معلقة, كونهم لم يعرفوا هدف القاتل من القتل, فهل كان السرقة أو الانتقام أو أن هناك أسباب أخرى لذلك؟!.
عاش جمال في الشارع و في (ماخور) و داخل القطار كان يسرق النساء الكبيرات اللواتي لا يمتلكن القدرة على مطاردهِ ,و مارس النصب و الاحتيال من أجل توفير لقمة العيش لهُ و لأصدقائه ومع ذلك كان يحاول أن يصنع لنفسهِ البهجة من خلال مشاهدة السينما ضمن الفئة الشعبية التي كانت تفتعل الفوضى بسبب الحماس الزائد أو بسبب المسكرات التي تفقد البعض صوابهُ ,فيدخل في عالم أخر من الصراخ و ارتفاع الأصوات.
تجرع جمال الحرمان كأس يعقبهُ كأس إلى أن استقر به الحال بالعمل في مطعم عند العم أبو ناهد التي يدخل معها في دائرة الحب بذلك تدخلنا الكاتبة في دائرة المفارقة بين الطبقات الاجتماعية فكيف يكون هناك مودة بين الفقر و الغنى؟! ويتعامد مع ذلك قصة جمال مع محاسن التي تمكنت منهُ بالغواية ,ليعيش تحت سلطتها الأنثوية الساحرة الفاتنة!.
دخل جمال في صراع بعد أن أوقع نفسه بين نار الخيانة و الحب و كيف ينقذ صديقة ابراهومه من ساطور (حواية) التي ضربتهُ و ظلت مثل العسكري عند الباب حتى تحل مشكلة أبنتها نبقة .. التي كانت حامل من صديقه.
حواية تلك الشخصية النسائية القوية التي تحملت مسؤولية تربيت أولادها بعد وفاة زوجها ,و ذلك ببيع الشاي ,و رغم أنها تعاني من الضائقة المادية ,إلا أنها أوجدت لها مكانة في ذات المكان التي كانت تعيش فيه, فالجميع يحترمها رغم سلاطة لسانها ,و ذلك لأنها تتصف بسمات أخلاقية عالية,و من تلك المواقف الجميلة التي تحتسب لها هو أنها قبلت أن تسكن أبنتها و زوجها و جمال عندها في بيتها الصغير بعدما تم طردهم من قبل أبو ناهد من البيت, و قيامها بالحناء لجمال عندما علمت أنهُ سوف يتزوج من يحب و ذلك دليل على التعاطف و القلب الحنون التي تمتلكهُ.
غلبت اللهجة المحلية السودانية على الرواية و لا أرى في ذلك أي خلل أو عيب كون ذلك يتوافق مع البيئة البسيطة للرواية ,و الكلام المتكلف لمثل تلك الشريحة من المجتمع يفقد العمل المصداقية لذلك أرى أن الكاتبة وفقت في ذلك.
اللهجة كما رأيت مفهومه من سياق الأحداث أو الحوار مثال بسيط على ذلك:
( أمشي يا حرامي , يا كلب .. تأكل عرق النسوان) ص 86 و كذلك ( بسم الله قلبي دا فراني كدا مالوا) ص89
فالجملة الأولى تشير على أن المرأة التي كانت تبيع,نعتت و سبت جمال عندما حاول سرقتها ,و عيرتهُ بأنهُ يأكل تعب النساء ,و ذلك لا يجوز في عرف الرجولة الحقيقة.
الجملة الثانية :تدل على فزع و خوف عزيزة أم كمال على صديقتها التي تحمل ذات الاسم أم سامية , كونها شعرت أن صديقتها تعرضت لمكروه, و بالفعل ماتت في حادث ,فكان الألم بعد أن وصلها حقيقة النبأ , أشد عليها من الخاطر الذي عبرها في لحظات انهماكها في العمل.
و من السياقات الجميلة التي رسمتها الروائية للرواية هي المهارة و القدرة التي يمتلكها كمال في قراءة و تحليل الشخص من خلال أذنهُ من ناحية الشكل أو الحجم و هناك دراسات و ندوات عديدة عن ذلك ,فبذلك كان يحاور الجثث إلا أن الغريب في شخصيتهُ حبهُ لسامية ,و عدم قدرتهُ أن يصرح لها بذلك حتى فقدها عندما تزوجت بشخص أخر , فرأيت من الغريب أن يصفها بالخائنة و هما لم يكن بينهم علاقة حقيقة ,سوى الوهم الذي عاش بداخله ,و تعايش معهُ على أنهُ حقيقة,و ربما تلك الحالة النفسية التي حكمت عليه في نهاية الرواية بالجنون.
النهاية كانت الموت و ذلك قد يفضي بنا إلى موت الحقيقة في أن محاسن نفذت تهديدها,و أخبرت ناهد بالعلاقة التي بينها و بين جمال, موت ناهد كما كتبت بالرسالة في حال عدم حضورها للمحكمة , موت جمال الذي فضل أن يعيش تحت الشمس بعدما لم تفي ناهد بوعدها بالحضور للمحكمة حتى يتم الزواج ,فكان الموت بمثابة الجرح المفتوح الذي يصعب معالجة ,فهل كانت الكاتبة ترمي إلى موت الجسد أو موت الروح أو موت الحب أو موت الأحلام ,و ذلك هو الجنون بعينة, عندما تجد نفسك تفترش الكثير من الاحتمالات و التأويلات عن القصد من الرواية عبر التأمل و التساؤل الذي سيظل يمنح الرواية على مدى بعيد حيوات أخرى من خلال قراءات الأجيال المتتابعة.
رواية شيقة و جميلة و مؤلمة و تحمل بعد فلسفي و إنساني, رواية دون مجاملة تستحق القراءة عدة مرات من أجل أن تستمتع بالمفردة السودانية الجميلة ..التي يخيل لك أنك تسمعها مع كل حوار بين شخوص الرواية و كذلك التفاصيل الدقيقة عن تلك الأماكن التي تعيش بداخلها الطبقات ((المهمشة)) تحت حر الشمس و برد الشتاء و المطر المتواصل الذي يستقبلونهُ بملابسهم التي تشبه الطين و روائح أجسادهم التي يدارونها ببعض الروائح العطرية الرخيصة الثمن .
و في النهاية لا أحمل ألا باقة شكر للروائية رانيا مأمون, و لجميع الأساتذة القائمين على منتدى الرواية السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

11 يونيو، 2026
الاختبارات وكأس العالم

ضيف الله نافع الحربي بعد...

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

28 مايو، 2026
العيد نصيبك من الفرح لاتسمح…

ضيف الله نافع الحربي  بداية...

21 مايو، 2026
القصة السعودية في الحج

ضيف الله نافع الحربي  أيام...

أوراق أدبية