||

خيانة

17 يناير، 2021

قمر خالد – العراق :

لم تفارقني كلمات فيروز.وأنا في طريقي لجلب
‏حبات المارشيملو من رفيق طفولتي خالد.
‏ المنهك في سرقة الأشياء المحببة إلى قلبي، وتجعلني أنتفض فرحًا وحبًّا للحياة..

‏يعيد إلى أسماعي لقد سرقتها من العجوز صاحب الدكان، وأنا أدسها خلف نبتة الأولوفيرا، والمطلة على نافذة المحامي الجشع، كما يسمونه أهل الزقاق.
‏بالرغم من أنه يعاملني بمنتهى اللطافة.

‏في صباح يونيو؛
‏كان اليوم مكلّلًا بالنصر ليّ، لكنه بدا وليمة دسمة، لمن بهتوا بكلام المحامي، وهو يمطرني بوابل من الشتائم، وعلى العرش تربعت كلمة خائنة.. خائنة..

‏تقبلت وشوشات الأحاديث، والنظرات التي كادت تمزق قشيب السكينة، عندما حاولت أن أكون إنسانة فوق الشبهات، وبعيدةً كل البعد عن مواطن الآثام، وأيضا الناس هنا ضجرت من أخبار السياسة، وهل ستكون الحرب الحل البديل لحل أزمات البلد، والتعايش بعدها مع الفقر بصورة سلمية..

‏ربمّا أصبحت قصتي لهم سببًا لجعلهم يشعرون ببعض إيماءات الوجود، أو الفضول
‏الذي ينسيك كل الهموم لمعرفة شيء جديد..

‏عندما خطبني المحامي من عمتي التي لا تقل
‏عنه بالبخل. وافقت مباشرة. وبدون تفكير ،
‏فـإلى متى أبقى رهينة لثلة من الأشخاص، يمنحوني ما أحب بالذل والخضوع..

‏-المحامي: وأخيرًا جميلة الحي لي وحدي.
‏-أرد أنا على سؤاله: لكن لدي شروط.
‏أن تشتري لي كل يوم حبات المارشيملو.. مذياع
‏جديد يهز البيت بصوت فيروز. ونبتة الأولوفيرا تكون معي.

‏يضحك ضحكة غربية، تجعل قلبي يخفق بالخوف لأول مرة، فيردّ بصوت عالي،
‏وأنا عندي شروط أيضًا:

‏يجب أن تكوني مطيعة لي، ولا تحلمي في يوم من الأيام رؤيتي على هيئة زوج رومانسي يغدق على زوجته بالحب والغناء قرب باب غرفتها في ما لو غضبت منه.
‏ويجب أن تعملي أيضًا، نتعاون كي نطرد الفقر من بيتنا إلى الأبد ..

‏سرحت بنفسي وراودتني أفكار مريبة نحوه، لكنه قطع عليّ صمتي ذلك مستدركًا ” لا تخافي عملك سيكون في البيت”.

‏وتمضي الأيام، وحياتنا هانئة. ولربما كان جوّ السلام الذي ساد بيننا سببه أن كلينا يعطي الآخر ما يريد، وبمنتهى الود.
‏شيء ما كان يعكّر صفو ذلك السلام، ذلك الشيء كان يقلق اطمئناني إليه، وينغص سائغ حياتي معه، ربما كانت صفة الجشع المعهودة عنه قد تبدّت لي من كثب وبأبشع صورها، حين يغيب الضمير وأراه يبرع في تزوير الحقائق، والوقوف إلى طرف الظالم، يضلل الحقائق، ويقلب الطاولة على البريء.

‏كنت أقرأ ذلك كله، وأنا أقوم بطباعة محاضره التي سيشوّه وجه الحقّ بها.

‏أحببتُ فيه شهامته وغيرته عليّ،
‏منذ زواجنا جهد ألا يدنو رجل غيره من بيتنا.
‏ ذات يوم طرق الباب، وكنت أظنه هو، لقد كان رجلًا أنيقًا يرتدي بدلة سوداء، وقميصًا أبيض، لم يكن زوجي كما كنتُ أظن، ووجدتني أستمع إلى كلماته، وقد فغر فمه:

‏”كيف لرجل محتال وجشع أن ينجب ملاكًا بريئًا مثلكِ؟!
‏لم أتمالك نفسي عندما نعت أبي الميت، بهذه الصفات البشعة، ركضت إلى الغرفة، وحملت نبتة الأولوفيرا، تلك التي أصبحت لي صمام أمان بعد أبي ، كنت أوسعهم ضرباً، كلما حاولوا الاقتراب مني، ولربما كانوا يعتقدون أنني شبيهة عمتي، لا تأبه لكلام الناس وهي تتعمد المرور في سبل الخطيئة.

‏رجعتُ إليه، وانهلتُ عليه ضرباً بالسندان الذي يأوي نبتتي، حتى سمعت صراخ زوجي: كفى..كفى..

‏كانت تلك الحادثة شؤمًا علينا، وانقلبت حياتنا رأسًا على عقب. تغير زوجي وأصبح عصبيّ المزاج، ولا يطيق وجودي أبدًا، حاولت تقبّل هذا التغيير، قلت بنفسي لعلّ لذلك الرجل مكانة عالية، في عمل زوجي، لكنّ شيئًا ما كان يثير شكوكي، ما تلك الأوراق التي بحوزة زوجي ويتعمد أن يخفيها عني؟

‏كان لا بدّ أن أعرف ما يوجد في تلك الأرواق، هل هو على علاقة بامرأة؟ هل هي أوراق طلاقي؟
‏هل قرر أن يطردني من البيت ؟؟
‏هل سيجعلني أرجع لعمتي ولتلك الحياة البائسة ؟؟
‏في ساعة متأخرة من الليل، دخلتُ كلصّ يسعى لمعرفة مصيره، زحفت على بطني
‏إلى أن وصلت إلى السرير، وعلى مقربه منه كانت الأوراق على الطاولة الخشيبة، سحبتها بهدوء
‏قرأتها وقلبي يخفق بي خوفًا، بينما ترتعد فرائصي كعصفور يحاولون سلب حريتهُ.
‏قضمت شفتي السفلى بقوة، عندما علمت بأن الرجل الذي ضربته، يطلب من زوجي أن يطلقني ليتزوجني هو، وإلا سيشي للقضاة عن قضاياه الفاسدة، أعدت الأوراق، وغادرت الغرفة مسرعة ولم تغادرني بشاعة ما قرأت.

‏وقفت على مقربة من المذياع ، محملقة في نبتة الأولوفيرا، أستنجد بأي شيء يخلصني من هذا المأزق، لحظات وتعصف في ذهني فكرة، سرعان ما صارت تمشي على قدمين أمامي، لم أعلم إن كانت شيطانًا أو ملاكًا، كل ما علمته هو أني سأنقذ نفسي، بحثت عن قضايا لزوجي كان يستخدمها في هبة الأملاك
‏من شخص إلى شخص آخر، انتظرته أن يستقيظ في الصباح، وأخبرته بأن هنالك أوراقًا لم يقم بالتوقيع عليها، وحاولت دس مطلبي بينهن، ومن حسن حظي، قام بالتوقيع ولم ينتبه لأي شيء .

‏غادر زوجي البيت. وقمت بإرسال أوراقي إلى محامي ثانٍ، وتكون قضيتي الطلاق، ومن ثم
‏أخذ أملاكي التي وهبها لي.

‏عند الساعة العاشرة تمامًا المذياع يهز أرجاء البيت بصوت فيروز ، أفتح النافذة، وصراخ زوجي يملأ الحي.

‏خائنة..خائنة ..

‏أحمل حبات المارشيلو بيدي اليمنى.
‏ونبتة الأولوفيرا باليد الأخرى.

‏وأقف في وسط الحشود، وأصرخ :
‏أجل أنا خائنة. عندما أرغمتني عمتي السير في الحرام، رفضت، فقالت عني خائنة.

‏أجل أنا خائنة. عندما طلب مني خالد الهرب، رفضت وتزوجتك، فقال عني خائنة. لكني اليوم قررت أن أخونك، وتكون خيانتي من الطراز الفاخر .

 

ردان على “خيانة”

  1. يقول نبيل طبيشات:

    اسرج الكلمات
    لاصطياد حروفك
    وعلى ضفاف الذاكرة
    ندى صوتك
    وهديل أصابعك
    حروفك من نور تطوف حولها الفراشات

  2. يقول غمكين مراد:

    قمر وشروطها
    جميلةٌ خيانةٌ كهذه
    خيالٌ مُترف لمصيرٍ كهذا
    لغةٌ سحبتني بابتسامةٍ خلفتها يوماً ما
    لترك صداها على قصةٍ شدتني أعيد بها وجوم الظن ساعةً ما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

28 مايو، 2026
العيد نصيبك من الفرح لاتسمح…

ضيف الله نافع الحربي  بداية...

21 مايو، 2026
القصة السعودية في الحج

ضيف الله نافع الحربي  أيام...

14 مايو، 2026
الاحباط وصناعة المشاعر السامة

ضيف الله نافع الحربي استعداد...

أوراق أدبية