||
أشواق شتيوي
ASHWAG_SHETEWI@
ليست المعضلة في ضياع الحقوق وحده، بل في الطريقة التي يُعاد بها إنتاج الظلم داخل البنية الأخلاقية للأسرة.
فالاستيلاء على الميراث قد يكون فعلًا ماديًا محدودًا، أما أخطر منه فهو تحويل الضحية إلى متهم، وصاحب الحق إلى مصدر اضطراب، والمطالبة بالعدل إلى سلوك يُصوَّر وكأنه يهدد قدسية الروابط الأسرية.
وهنا لا يُنتزع الحق بالقوة وحدها، بل تُنتزع شرعية المطالبة به.
إن أخطر أشكال التلاعب لا يقع في النصوص، بل في الوعي؛ حين تُختطف الفضيلة من معناها الأخلاقي، وتُعاد صياغتها بما يخدم ميزان القوة. فيُصبح التنازل فضيلة إذا صدر من الضعيف، بينما يُصبح التمسك بالمكاسب حقًا إذا صدر من القوي. ويُطالَب المظلوم بأن يبرهن على أخلاقه بالتخلي عن حقه، في الوقت الذي لا يُطالَب فيه الظالم إلا بالمحافظة على مكانته داخل الأسرة. وهكذا تتحول الأخلاق من معيار يُقيِّد السلطة إلى خطاب يمنحها حصانة.
الميراث ليس مجرد انتقال للثروة، بل اختبار لقدرة الضمير على الانتصار على المصلحة.
ولذلك فإن لحظة تقسيم الحقوق تكشف البنية الحقيقية للعلاقات؛ إذ تسقط الأقنعة التي صنعتها المجاملات، وتظهر الحدود الفاصلة بين المحبة بوصفها قيمة، والمحبة بوصفها أداة ضغط. فالعلاقة التي تنهار أمام العدالة لم تكن متماسكة أصلًا، بل كانت قائمة على تفاوتٍ غير مُعلن في القدرة على فرض الإرادة.
إن كثيرًا من الخطابات التي تمجد الحفاظ على صلة الرحم لا تفعل ذلك دفاعًا عن الرحم، بل دفاعًا عن الامتيازات التي راكمها بعض أفرادها. ولهذا يُعاد تعريف العقوق ليصبح مطالبةً بالحق، بينما يُستبعد الظلم من دائرة الإدانة ما دام يمارس بهدوء، ويُغلَّف بلغة الحكمة، ويُقدَّم باعتباره ضرورة لحماية الأسرة من الانقسام. إنها مفارقة أخلاقية تُصبح فيها العدالة هي الخطر، ويُصبح الظلم هو الثمن المقبول للاستقرار.
غير أن الاستقرار الذي يُشترى بإسكات المظلوم ليس استقرارًا، بل تأجيلٌ لانفجار الحقيقة. فالحقوق لا تسقط بالنسيان، والجراح التي تُدفن تحت شعارات الفضيلة لا تلتئم، وإنما تتحول إلى ذاكرة جمعية تُورِّث انعدام الثقة بين الأجيال. والأسرة التي تعتاد التضحية بحقوق أضعف أفرادها حفاظًا على وحدتها، لا تُنتج وحدةً، بل تُنتج ثقافةً تُقدِّس القوة، وتُجرِّد العدالة من معناها.
فالفضيلة ليست أن يعتاد الضعيف الخسارة، ولا أن يتقن المظلوم الصمت، ولا أن تُصبح الأخلاق وسيلةً لتأديب أصحاب الحقوق.
الفضيلة الحقيقية تبدأ عندما يُلزم الأقوى نفسه بما لا يستطيع القانون وحده أن يفرضه عليه أن يرى الحق حقًا ولو خالف مصلحته، وأن يدرك أن صلة الرحم لا تُحفظ بالتنازل عن العدالة، بل بأن تكون العدالة هي الصورة الأسمى للرحم. لأن كل رابطة تُبنى على إنكار الحقوق، ليست رابطةً أخلاقية، وإنما نظام قوة يرتدي لغة الفضيلة..
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020