||
أشواق شتيوي
@ASHWAG_SHETEWI
الحقد لا يعمل بوصفه انفعالا عابرا، بل بوصفه رؤية مشوهة للواقع.
فعندما يستقر في النفس، لا يكتفي برفض الآخر أو النفور منه وإنما يبدأ بإعادة بناء صورته وفق منطق خاص يجعل من وجوده تهديدا، ومن نجاحه استفزازا ومن قيمته عبئا يصعب احتماله.
وهنا ينتقل الحقد من كونه شعورا داخليا إلى مشروع نفسي يعيد تشكيل الواقع في وعي صاحبه.
ومن أخطر أدوات هذا المشروع العبث بالإدراك لأن الحاقد لا يهاجم الحقيقة مباشرة، بل يعيد تفسيرها.
فهو لا ينكر قيمة من يعاديه بوضوح، بل يحيطها بالشك، ولا يسعى دائما إلى إسقاطه بالقوة بل إلى دفعه للتشكيك في نفسه.
إنه يدرك، بوعي أو من دونه أن الإنسان الذي تتزعزع ثقته بذاته يصبح أقل مقاومة وأكثر قابلية لتقبل التصورات التي تلقى إليه.
ولهذا لا يحاول الحاقد إقناع الآخرين بأنه أفضل بقدر ما يسعى إلى إقناعهم بأن الآخر أقل مما يبدو.
إنه يمارس نوعا من إعادة تشكيل المعنى حيث تتحول الإنجازات إلى مصادفات، والكفاءة إلى مبالغة والثقة إلى غرور، والاستقلال إلى تمرد.
وما يتغير هنا ليس الواقع ذاته، بل طريقة النظر إليه.
غير أن هذا العبث لا ينجح دائما بسبب مهارة من يمارسه، بل لأنه قد يجد في بعض النفوس شكوكا كامنة أو أسئلة غير محسومة عن الذات.
فالإنسان لا يتأثر بالتشويه لمجرد تكراره، وإنما حين يلامس منطقة داخلية لم تستقر بعد على يقينها.
ولهذا تصبح معرفة الإنسان بنفسه أحد أهم الحصون في مواجهة محاولات التأثير على وعيه.
والمثير للتأمل أن الحقد لا يستمد قوته من كراهية الآخر بقدر ما يستمدها من عجز صاحبه عن التصالح مع ذاته.
فكلما اتسعت الفجوة بين ما يتمنى الإنسان أن يكونه وما يراه في نفسه، ازداد ميله إلى تشويه صورة من يجسد أمامه ما يفتقده.
وعندها لا يعود الآخر خصما بسبب ما فعله، بل بسبب ما يمثله.
فنجاحه يتحول إلى تذكير مؤلم بالنقص، وتميزه إلى مرآة تعكس ما يحاول الحاقد الهروب من مواجهته في داخله.
ومن هنا يمكن فهم العبث بالإدراك بوصفه محاولة للسيطرة على الوعي لا على الوقائع.
فالوقائع تبقى كما هي، لكن الإدراك هو الساحة الحقيقية التي تدور فيها المعركة.
ومن ينجح في التأثير على الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه يقترب من التأثير على قراراته ومشاعره ومسار حياته.
لذلك كانت أخطر المواجهات هي تلك التي تستهدف تعريف الإنسان لذاته لا وجوده الخارجي.
إن الوعي بهذه الآلية يكشف حقيقة عميقة فليس كل من يقلل من شأنك يراك صغيرا، بل قد يكون يراك أكبر مما يستطيع احتماله.
وليس كل تشويه لصورتك دليلا على ضعفك، بل قد يكون انعكاسا لصراع خفي يدور في نفس من يشوهها.
فالحقد في جوهره لا يكشف حقيقة ضحيته، وإنما يكشف حقيقة صاحبه لأنه كلما سعى إلى إطفاء نور الآخرين، كشف من حيث لا يدري عن مناطق الظل الكامنة في داخله.
فالحقيقة لا تنهزم حين تشوه، وإنما حين يفقد الإنسان ثقته بقدرته على تمييزها.
ولذلك تبقى معركة الوعي، في جوهرها، معركة على المعنى قبل أن تكون معركة على الوقائع لأن من يملك وعيه يملك القدرة على مقاومة الخداع، ومن يفقده قد يرى الوهم حقيقة، والحقيقة وهما.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020