||

الثقة بالنفس: دعائمُها العلمية وسبلُ بنائها

21 يونيو، 2026

 الأستاذ : سليمان الترجمي 

الثقة بالنفس ليست بذخاً لفظياً، ولا انطباعاً عابراً يصنعه المدح. إنها بناءٌ نفسيٌّ متين، يقوم على إدراك المرء لقدراته، ويقينه بإمكانية إنجاز ما عزم عليه. ولئن بدا للناظر أنها هبةٌ تُمنح لبعض الناس دون بعض، فإن علم النفس الحديث يثبت أنها مهارةٌ تُكتسب، وعضلةٌ تُدرَّب، وغرسٌ يُسقى.

*أولاً: التأصيل العلمي للثقة بالنفس*  

يرى عالم النفس “ألبرت باندورا” أن جوهر الثقة يكمن في مفهوم “الكفاءة الذاتية” Self-Efficacy، أي اعتقاد الفرد بقدرته على تنظيم سلوكه وتنفيذه بنجاح لتحقيق نتائج معينة. وهذه الكفاءة لا تُستمد من التمني، بل من أربعة مصادر رئيسة أثبتتها الدراسات:  

1. *خبرة الإنجاز المباشر*: فكل نجاحٍ يحققه الإنسان، ولو كان يسيراً، يرسّخ في لاوعيه قناعة “أنا قادر”. ومن هنا كان الأثر العظيم للخطوات الصغيرة المتراكمة.  

2. *النمذجة والاقتداء*: حين يرى المرء نظيره وقد جاوز العقبة، يتهيأ ذهنه لتقبل فكرة العبور. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.  

3. *الإقناع اللفظي الصادق*: الكلمة الطيبة من مربٍّ صادقٍ أو قريبٍ ناصحٍ تهدم جدار الشك. ولهذا كان لـ “والله إنا نحبكم في الله” التي تخرج من قلب المعلم أثرٌ لا يعدله خطاب.  

4. *التهيئة الفسيولوجية*: فالتوتر المفرط يوهن العزيمة. وتدريب النفس على الهدوء والتنفس المنضبط قبل المواقف الكبرى يرسل للدماغ إشارة “أنا مسيطر” لا “أنا خائف”.

 

*ثانياً: العائق الخفي – الحوار الداخلي*  

كشفت المدرسة المعرفية السلوكية CBT أن المشكلة ليست في الحدث ذاته، بل في تفسيرنا له. فمن يقول “أخطأت إذاً أنا فاشل” يصنع من خطوةٍ تعثرٍ حكماً أبدياً على ذاته. ومن يقول “أخطأت إذاً تعلمت” يحوّل السقطة إلى درجةٍ في سُلّم الصعود. إن إعادة البناء المعرفي Cognitive Reframing هي مفتاح تحويل الخوف من قيدٍ إلى دافع.

 

*ثالثاً: معالم الطريق لبناء الثقة*  

1. *مبدأ المبادرة الفورية*: لا تمنح عقلك زمناً ليخترع المبررات. قاعدة “5 ثوانٍ” تقوم على أن تنهض للفعل قبل أن يستكمل الشك أركانه.  

2. *تدوين الشواهد*: خصص دفتراً تكتب فيه كل ليلة ثلاثة إنجازات، ولو كانت بسيطة. فالعقل يصدّق ما تكرر عليه بالدليل، لا بالشعارات.  

3. *فصل الذات عن النتيجة*: قيمتك كإنسان ثابتة لا تتغير بنجاحٍ أو إخفاق. أنت “حامل رسالة” قبل أن تكون “طالب نتيجة”. والمعلم الصادق يبقى معلماً وإن لم يصفق له أحد.

ختامًا الثقة بالنفس ليست غياب الخوف، بل هي إقدامٌ رغم الخوف. هي أن تقف حيث وُضعت، فتؤدي رسالتك كاملةً غير منقوصة، كما وقف المعلمون فربّوا وعلّموا وغرسوا. فإذا أردت أن تُعرَف الثقة، فانظر إلى من يرتجف قلبه، ثم يمضي قدماً؛ لأن “النجاح الحقيقي في الأثر”، لا في سلامة العبور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

24 يونيو، 2026
إذا أردت السفر

ضيف الله نافع الحربي  “للناس...

17 يونيو، 2026
هل سنتأهل أم نكتفي بالحضور؟

ضيف الله نافع الحربي  تعادلنا...

11 يونيو، 2026
الاختبارات وكأس العالم

ضيف الله نافع الحربي بعد...

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

أوراق أدبية