||
إيمان سندي
في غمرة العبور العادي عبر دروب الحياة، يباغتنا ذلك المنعطف الخفيّ الذي يهزّنا ، ربما يفرحُنا وربما يُبكينا ¡
“مررتُ من هنا ومرّ بي شعور”
عبارة على بساطتها المبهرة، تختزل تراجيديا الوجود البشري ؛ فالإنسان ليس مجرد عابر لسبيل الأيام، بل هو الذات التي تعبر الأمكنة فتعبُرها الأحاسيس، والكيان الذي يطأ الأرض فتهتز تحت قدميه أرض الذكريات!
هذا المرور المتبادل بين الكائن والوجدان هو ما يمنح الحياة معناها، فبدون الشعور، نتحول إلى آلاتٍ باردة، نرى الألوان ولا ندفأ بسطوعها، ونسمع الأصوات كذبذبات في الفراغ دون أن تطرب لها الروح ! .
إن الشعور في عمقه الفلسفي هو “الأنا” وهي تتعرف على ذاتها في مرآة الوجود، هو تلك الصرخة الصامتة التي نعلن بها لكونٍ شاسع وبارد أننا هنا، نؤثر ونلتفت ونتألم.
نحن نشعر لنحيا، ونشعر لنفهم !
ثمة ضرورة وجودية تفرض هذا التدفق العاطفي؛ فالخوف حارسنا من الفناء، والألم نذيرنا من الأذى، والبهجة وقودنا للاستمرار ، غير أن الإنسان يتجاوز الغريزة ليرقى بالمشاعر إلى مصاف المعنى؛ فنحن لا نرى الجمال معلقًا على لوحة في جدار، بل نراه في ذلك الارتعاش الخفي الذي يمسّ شغاف قلوبنا أمامها ، المشاعر هي البوصلة الفطرية التي تمنح الأشياء قيمتها، والجسر الذي يربط عزلتنا الفردية بالعالم الشامل، لنمارس إنسانيتنا من خلال الحب، والتعاطف، وحياكة الحكايات من خيوط الغياب والحضور.
إن هذا العبور المفاجئ للشعور ليس هجومًا من عدو يتربص بسلامنا، إنما هو زيارة من ضيف قديم جاء يطرق الباب ليطمئن على قدرتنا على الإحساس، وليذكرنا بأننا كائنات ذات تاريخ وامتداد، وحين يباغتنا ذلك الارتداد، ليس علينا أن نهرب أو نيأس من حالنا، فقط علينا أن نقف أمامه بوقار، وندعه يمر في سلام، شاعرين بالامتنان لأن قلوبنا ما زالت حية، تتسع للماضي والحاضر معًا، قادرة على الاهتزاز والبهجة والألم على حد سواء.
وفي ختام هذا العبور، يظلُّ “الشعور” الوشم الأبدي الذي تتركه خطانا على رصيف العمر؛ فما نحن إلا مسافرون في قطار الزمن، نغادر الأمكنة وتبقى فينا أحاسيسها، فافتحوا نوافذ قلوبكم لكل شعورٍ عابر، ففي غمرة ذلك الارتعاش الخفي، نكتشفُ كم نحن أحياء، وكم هي الحياةُ بنا دافئة وجميلة.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020