||

هل يعيد دونيس شخصية الأخضر المونديالية؟ وديات واعدة ورؤية استراتيجية على طريق كأس العالم 2026

11 يونيو، 2026

ماجد السريحي 

مع اقتراب كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تتزايد التطلعات نحو المنتخب السعودي وهو يستعد لخوض استحقاق عالمي جديد يحمل آمال جماهيره وطموحات كرة القدم السعودية. وفي ظل القيادة الفنية للمدرب اليوناني جورجيوس دونيس، بدأت ملامح مشروع جديد تتشكل تدريجيًا، ليس فقط على مستوى النتائج، بل في هوية الأداء والشخصية التنافسية التي يقدمها الأخضر داخل الملعب.

خاض المنتخب السعودي ثلاث مباريات ودية أمام الإكوادور وبورتوريكو والسنغال، وجاءت نتائجها على النحو التالي:

 

السعودية 1 – 2 الإكوادور

 

السعودية 3 – 0 بورتوريكو

 

السعودية 0 – 0 السنغال

 

 

وعلى الرغم من أن المباريات الودية لا تمثل مقياسًا نهائيًا للجاهزية، فإنها تمنح مؤشرات مهمة حول الاتجاه الذي يسير فيه الفريق. فقد سجل الأخضر أربعة أهداف واستقبل هدفين فقط، وخرج بشباك نظيفة في مباراتين من أصل ثلاث، وهي أرقام تعكس تحسنًا ملحوظًا في التوازن بين الجانبين الدفاعي والهجومي.

 

كما أظهرت بعض المؤشرات الفنية قدرة المنتخب على فرض أسلوبه في فترات عديدة من المباريات، حيث بلغ الاستحواذ أمام بورتوريكو أكثر من 60% مع عدد كبير من المحاولات الهجومية، فيما أظهر أمام السنغال قدرة تنافسية جيدة أمام منتخب يتمتع بخبرات دولية كبيرة وقوة بدنية عالية.

 

لكن أهمية هذه الوديات لا تكمن في النتائج وحدها، بل في الصورة الفنية التي بدأ المنتخب يعكسها. فالأخضر بدا أكثر تنظيمًا في بناء الهجمة، وأكثر وضوحًا في التحولات بين الدفاع والهجوم، مع حضور ملحوظ للعمل الجماعي والضغط المنظم، وهي عناصر افتقدها المنتخب في فترات سابقة، وأصبحت اليوم جزءًا من هويته المتشكلة تحت قيادة دونيس.

 

وهنا يبرز السؤال الذي يشغل كثيرًا من الجماهير والمتابعين: هل يعيد دونيس نكهة مونديال 1994؟

 

الإجابة الواقعية تقتضي الحذر، فمونديال الولايات المتحدة 1994 يبقى محطة تاريخية استثنائية في مسيرة المنتخب السعودي، عندما نجح الأخضر في بلوغ دور الـ16 خلال أول مشاركة له في كأس العالم، مقدمًا واحدة من أبرز القصص المونديالية في تاريخ الكرة الآسيوية.

 

غير أن النجاح في ذلك المونديال لم يكن مرتبطًا بالأسماء فقط، بل بامتلاك المنتخب شخصية واضحة وهوية فنية مستقرة، وثقة عالية بالنفس، وقدرة على منافسة المنتخبات الكبرى دون رهبة. وهذه تحديدًا هي المؤشرات التي يبحث عنها الشارع الرياضي السعودي اليوم في مشروع دونيس.

 

لذلك فإن السؤال الأدق ليس: هل يعيد دونيس إنجاز 1994؟ بل: هل يعيد للأخضر شخصية 1994؟

 

فالمنافسة العالمية اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لكن المنتخبات الناجحة تظل بحاجة إلى الأسس ذاتها؛ هوية واضحة، وانضباط تكتيكي، وشخصية قادرة على فرض حضورها في المواعيد الكبرى.

 

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى كأس العالم 2026 بوصفه هدفًا نهائيًا، بل باعتباره محطة استراتيجية في مسار تطوير الكرة السعودية. فالمونديال يمثل بيئة مثالية للاحتكاك بأفضل المدارس الكروية في العالم، كما يشكل منصة دولية تمنح اللاعبين فرصة الظهور أمام الأندية والكشافين والأسواق الرياضية الكبرى.

 

ومن هنا تبرز أهمية العمل المؤسسي على تسويق نجوم المنتخب السعودي وتهيئة الظروف المناسبة لاحترافهم في دوريات تنافسية متقدمة. فالاحتراف الخارجي لم يعد رفاهية رياضية، بل أصبح أحد أهم أدوات تطوير اللاعب الوطني، لما يوفره من خبرات فنية وتكتيكية وثقافية تسهم في رفع جودة الأداء على مستوى المنتخب.

 

وقد أثبتت التجارب العالمية أن المنتخبات التي يمتلك لاعبوها تجارب احترافية متنوعة تكون أكثر قدرة على المنافسة والاستقرار في البطولات الكبرى. ومن ثم فإن استثمار المشاركة السعودية في كأس العالم يجب أن يتجاوز حدود النتائج الآنية، ليصبح جزءًا من مشروع وطني يهدف إلى صناعة جيل جديد من اللاعبين القادرين على تمثيل الكرة السعودية في أقوى الدوريات العالمية.

 

كما أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات الكبرى التي تشهدها الرياضة السعودية في السنوات الأخيرة؛ بدءًا من تطوير البنية التحتية الرياضية، مرورًا بتعزيز الحضور الدولي للدوري السعودي، وصولًا إلى استضافة المملكة لكأس العالم 2034. وهي منظومة متكاملة تجعل من المنتخب الوطني واجهةً لمشروع رياضي وطني طموح يسعى إلى ترسيخ مكانة المملكة على خارطة الرياضة العالمية.

 

وبينما ينصب التركيز اليوم على التأهل والمشاركة المشرفة، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الحضور السعودي في كأس العالم إلى مشروع مستدام يربط بين تطوير المواهب الوطنية، والاحتراف الخارجي، وبناء منتخب قادر على المنافسة في البطولات الكبرى بصورة متكررة، لا أن تبقى الإنجازات محطات استثنائية متباعدة.

 

ومع اقتراب صافرة المونديال، يقف الأخضر السعودي على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخه الكروي؛ فمونديال 2026 ليس مجرد بطولة عالمية جديدة، بل فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل الحضور السعودي على الساحة الدولية. وبين مشروع فني تتضح ملامحه بقيادة دونيس، وطموحات جماهيرية تستحضر أمجاد 1994، تبدو المرحلة المقبلة بحاجة إلى استثمار يتجاوز حدود المنافسة الآنية نحو بناء جيل يمتلك الخبرة والاحتراف والقدرة على الاستمرار في أعلى المستويات.

 

وعلى سواحل الحلم المونديالي الجديد، يفتح الأخضر أشرعته نحو حدث عالمي استثنائي، لا بوصفه مجرد مشارك، بل منافسًا يسعى إلى ترسيخ حضوره في المشهد الكروي الدولي. وبين مشروع فني تتضح ملامحه، وطموحات وطن لا تعرف سقفًا، تبدو كأس العالم 2026 فرصة تاريخية لصناعة فصل جديد من الإنجازات السعودية، وتحليقٍ نحو آفاق أكثر تنافسية وتأثيرًا على الساحة العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

24 يونيو، 2026
إذا أردت السفر

ضيف الله نافع الحربي  “للناس...

17 يونيو، 2026
هل سنتأهل أم نكتفي بالحضور؟

ضيف الله نافع الحربي  تعادلنا...

11 يونيو، 2026
الاختبارات وكأس العالم

ضيف الله نافع الحربي بعد...

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

أوراق أدبية