||

عندما تَخْفُتُ الكلمات قَبْلَ النهاية

17 أبريل، 2025

ناصر العمري ⁦‪@NasserNssn4‬⁩ 

ليست كل النهايات صاخبةً بالصراخ أو مُعلنةً بالدموع أو مُرصّعةً بكلمات اللوم. هناك نهايات تُشبه سقوط ورقة الخريف بلا صوت بلا حركة مُلفتة بل مجرد مسافة تزداد يومًا بعد يوم حتى تتحول إلى غياب. 

هو الفراق الذي لا يحتاج إلى تفسير لأنه ببساطة نتاج تراكمات صغيرة من الألم والتعب واليأس الذي يُشبه رملًا ينساب بهدوء ليُغطي كل مساحة كانت تُنبض بالحياة.  

في العلاقات الإنسانية قد يكون الصمت أخطر من أي عاصفة فهو لا يُدمر الجسور فحسب بل يمحو حتى الرغبة في إعادة بنائها. حين يصل الإنسان إلى حد “الاكتفاء من التعب” فإنه لا يملك طاقةً حتى للشكوى. كل كلمة تُصبح عبئًا وكل حوار يبدو كمحاولة لإحياء جثة. هنا لا يبتعد الطرفان عن بعضهما لأنهما يكرهان بل لأنهما تعبا من محاولة الفهم، ومن انتظار ما لن يأتي.  

المؤلم في هذا الابتعاد أنه لا يترك أثرًا واضحاً يُمكن الإشارة إليه. لا خيانة، لا غدر، لا حتى تغير مفاجئ في المشاعر. فقط برودٌ تدريجي، كأنما الحياة سحبت منهما دفئهما دون أن يُدركا. تبدأ التفاصيل الصغيرة تُصير غريبة: نظرات تتجنب العيون، أحاديث قصيرة تُختزل في “كل شيء بخير” ومسافة على الأريكة لم تكن موجودة من قبل. كل هذه الإشارات تُشبه شمعة تنطفئ بالتدريج حتى يُصير الظلام هو اللغة الوحيدة.  

العقل البشري يتعامل مع الفراق الصاخب بمنطق الوضوح هناك سببٌ للغضب للبكاء للشعور بالظلم.لكن في الفراق الصامت لا يوجد حتى هذا “السبب” الذي يُمكن لومه. الكل مُتعب، الكل يُحاول النجاة بنفسه من دوامة الانتظار. الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو كتب في روايته *الغريب*: «الموت يُصبح مقبولًا حين نُدرك أن الحياة لا تستحق العناء». ربما ينطبق هذا على الحب أيضاً فحين يتحول الحب إلى عبء يصبح الرحيل هو الشكل الوحيد للبقاء.  

الأسى الحقيقي يكمن في تلك اللحظات التي تُدرك فيها أنك لم تفقد الشخص الآخر بل فقدت الرغبة في أن تكون معه. كأنما قلبك دون أن يُخبرك قرر أن يتوقف عن النبض تجاه كل ما كان يهمك. قد تبحث عن ذكرياتك معه فتجدها بلا لون كصور بالية التقطتها عدسة مهترئة حتى الدموع لا تأتي لأن البكاء يحتاج إلى قصة تُروى وهنا لا توجد قصة… فقط صمت.  

إن هذا الابتعاد درساً قاسياً عن طبيعة المشاعر الإنسانية الهشة نحن لا نخسر الأشخاص لأننا نريد ذلك بل لأننا نتعلم بالتدريج أن بعض الحكايات لا تحتاج إلى خاتمة. ربما كان هذا هو الجمال المُر للوداع الصامت: أنه يتركنا نواجه الحقيقة التي طالما هربنا منها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

24 يونيو، 2026
إذا أردت السفر

ضيف الله نافع الحربي  “للناس...

17 يونيو، 2026
هل سنتأهل أم نكتفي بالحضور؟

ضيف الله نافع الحربي  تعادلنا...

11 يونيو، 2026
الاختبارات وكأس العالم

ضيف الله نافع الحربي بعد...

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

أوراق أدبية