||
الأستاذ .سليمان الترجمي
يُعد علم النفس أحد العلوم الإنسانية التي تسعى إلى فهم السلوك الإنساني وعملياته العقلية. ومن أبرز المتغيرات التي أثبتت الأبحاث الحديثة ارتباطها الوثيق بالصحة النفسية هو “الدعم الاجتماعي”. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وتفاعله مع الآخرين يشكّل درعًا وقائيًا ضد العديد من الاضطرابات النفسية.
*مفهوم الدعم الاجتماعي*
عرّفه “هاوس” عام 1981 بأنه: “التفاعل بين فردين أو أكثر، يقوم على تبادل العون المادي أو العاطفي أو المعلوماتي”. وينقسم الدعم الاجتماعي إلى أنواع رئيسية تشمل الدعم العاطفي الذي يتمثل في التعاطف والطمأنة والشعور بالمحبة والقبول، والدعم التقديري الذي يشمل التغذية الراجعة الإيجابية وتعزيز قيمة الفرد واحترامه لذاته، وأيضًا الدعم الأداتي وهو المساعدة الملموسة مثل تقديم المال أو الوقت أو المعلومات.
*الآليات النفسية لتأثير الدعم الاجتماعي*
تفسّر نظريتان رئيسيتان كيف يعمل الدعم على المستوى النفسي. أولًا نموذج التأثير المباشر، ويرى أن وجود شبكة اجتماعية قوية يرفع مستوى الرفاهية بشكل مستمر، حتى في غياب الضغوط، لأن العلاقات الإيجابية بحد ذاتها مصدر للمتعة والمعنى. ثانيًا نموذج التخفيف من الضغط وهو الأشهر، ويقول إن الدعم يعمل كـ “مخفف صدمات” عند التعرض للضغوط. فهو يغيّر من تقييم الفرد للموقف الصادم، ويزوّده بموارد للتعامل معه، مما يقلل من استجابة التوتر الفسيولوجية والنفسية.
*الأدلة العلمية والنتائج*
أظهرت دراسات طولية وعرضية عدة نتائج ثابتة حول الدعم الاجتماعي. فقد تبين أن الأفراد ذوي الدعم الاجتماعي المرتفع أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالمعزولين اجتماعيًا. كما يعزز الدعم المرونة النفسية، أي قدرة الفرد على “الارتداد” بعد الأزمات، وذلك لأن الصديق أو الأسرة يوفرون منظورًا جديدًا للمشكلة يقلل من حدتها. وعلى المستوى الجسدي، يساهم الدعم في تحسين الصحة، فالتوتر المزمن يضعف المناعة، بينما الدعم الاجتماعي يخفض هرمون الكورتيزول، مما ينعكس إيجابًا على جهاز المناعة وصحة القلب.
*الخاتمة والتطبيقات*
يتضح أن الدعم الاجتماعي ليس رفاهية، بل هو حاجة نفسية أساسية. وعليه توصي البحوث التطبيقية بأهمية تنمية المهارات الاجتماعية وتعلم كيف يطلب الفرد المساعدة وكيف يقدمها. كما تؤكد على الاستثمار في العلاقات وتخصيص وقت للأسرة والأصدقاء بأهمية مماثلة للعمل. وأخيرًا تدعو إلى إدخال الأسرة والأصدقاء في خطط العلاج النفسي لاضطرابات مثل الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
*خلاصة القول*: كما أن الجسد يحتاج إلى غذاء، فإن النفس تحتاج إلى “غذاء اجتماعي”. فالصديق الوفي، والعائلة الداعمة، والمجتمع المتماسك، هي عوامل حماية تقي الإنسان من السقوط في هاوية العزلة والضغط.
جميع الحقوق محفوظه لصحيفة المصداقية الالكترونية 2020