||

فلمبان يجّسد فترة كورونا بمعرض “هلع وقلق”

31 أكتوبر، 2021

مها زغلول :

 

عنوان المعرض الشخصي الثالث والعشرون للفنان أحمد فلمبان الذي يطرح أزمة جانحة الكورونا المستجد الذي غزى العالم في الخامس من يناير 2020 أو ما يُعرف أيضاً بـ كوفيد 19، الذي اكتشفه طبيب العيون الصيني “لي ليانغ” بسبعة حالات بالتهابات رئوية شبيهه بفيروس سارس مرتبطة في سوق المأكولات البحرية في مدينة ووهان الصينية، وتسبّب بوقوع مرضى وضحايا في تلك المدينة، وأعلن عنه لأول مرة في الثلاثين من ديسمبر عام 2019م، محذرا خطورته وسرعة انتشاره، ولم يأخذوا بكلامه على محمل من الجد، بل تهكّموا به واتهموه بالجنون وتأنيب الشرطة وتحذيره بالصمت أو التعرض للمساءلة القانونية وتهديده بالعقاب والسجن، ولكن بالرغم من العواقب واصل عمله كطبيب على مجابهة الفيروس مخاطرا بحياته ؛ وكان أول ضحاياه فمات على أثره في 7 فبراير، ومنذ ذلك الوقت تفشى الفيروس بسرعة وانتشر في أرجاء العالم، مسبّباً حالة من الهلع والقلق والمعاناة والمكابدة والعوائق والصعوبات في كل نواحي الحياة، بوتيرة مقلقة، وضعت العالم في اضطرابات شعبية وانعكاسات سلبية في المجتمعات والنشاط العام وخلل في الاقتصاد الكلي، وتعتبر أكبر أزمة على مستوى العالم في هذا القرن وحدوث كارثة قد تدمره ويهدد نحو 8 مليار شخص وهم سكان الأرض، واستمرت المعاناة حتى وصلت الإصابات الى أكثر من 100 مليون حالة وأكثر من 3 ملايين وفاة في العالم، واستمرت المعاناة، حتى لاحت بوادر الإنفراج لهذه الأزمة بتاريخ 20 ديسمبر 2020م عندما أعلنت “شركة موديرنا وشركة فايزر الأمريكية” لتصنيع الأدوية باكتشاف لقاحا جديدا طورته للوقاية من الإصابة بنجاح فعّال بنسبة 95 % قد تسهم في وضع حد لهذا الوباء الخبيث الذي يجتاح العالم، واستبشر العالم بهذا النبأ السار، ولكن لم تمضي أيام على هذه البشارة، حتى فجع العالم مرة أخرى بظهور سلالات أخرى لهذا الفيروس سريعة الانتشار شديدة العدوى، أربكت العالم في حيرة وتبدأ معاناة البشرية لخوض معركة أكثر شراسة لهذا القادم الجديد، ولم يمضي على العام 2021 شهرا واحدا، وايجابية اللقاحات في إنقاذ ملايين البشر ومحاولة العودة تدريجيا إلى الحياة الطبيعية، حتى فجع العالم بظهور سلالات متحورة في الهند، أكثر عنفا وشراسة وأسرع انتشارا وفتكا، ورقما مفزعا للإصابات حيث سجلت في الهند أكثر من 400 ألف إصابة وعدد الوفيات الناجمة أكثر من 4000 شخص خلال يوم واحد، وهذه الموجة الجديدة، أثارت الرعب والخوف والقلق في جميع أنحاء العالم، بظهور سلالات ثالثة ورابعة وخامسة وعاشرة .
وقد حرّضت هذه الأزمة أنامل الفنان أحمد فلمبان الذي يهدد الكرة الأرضية بأزمة كارثية كبرى ومعاناة أشد قسوة وضراوة، في طرح أعمال تعبر عن حالات الإضطراب والرعب والتوجس، والمعاناة الإنسانية بردّات الفعل الذهنية للمَشَاهِد المأساوية، وردّات الفعل العاطفي ذات الصّفات المضطربة المتوترة لإنسان ما بعد الكورونا وتصويره في شخوص هزيلة متعبة ووجوه شاحبة فازعة وأياد مبتورة وأقدام مرتعشة عارية، ومجموعات مشوّشة خائفة هالعه، بملامح مرتعبة محبطة منكسرة راضية بالمحتوم، وأخرى قلقة خانعة مستكينة تنتظر المجهول، وحطام هنا وهناك وأشلاء في كل مكان، وتزداد قسوة المعاناة لتلك الحالة الدرامية ذات الوقع الثقيل على نمط الحياة، بألبسة الشخوص البالية الرثة بألوان متناقضة تمتزج الحارة منها مع الباردة والدافئة في تنافر حاد يتسلل من خلالها الخطوط السواد المرتجفة، وفي بعض المفردات تتجه إلى الألوان القاتمة رمزية الشؤم، وفي أجزاء منها تميل إلى التناقض المضطرب الجازع الخانع، كما يزداد الاحساس بشعور الابتلاء والفتك والدمار، من تقنية الملمس الخشن والمتعرج والبارز والنتوءات المهترئة المتوترة بفعل السكين والآلات الحادة، واستخدام المعاجين والمواد الصلبة والألوان ثقيل القوام على خطى الوحشيين، لإعطاء هول المعاناة وضراوتها، يقابله النقيض من خلال الضوء المنبلج خلف الكادر، ودجى القمر الواهن الحزين لفداحة الموقف وهول الكارثة، وتأخذ الأشباح والأحياء المشلولة البطولة المطلقة في هذه المَشَاهِد، والتي هي خلاصة ارتداد الذاكرة وتواردها في العقل الباطني، لاستنباطات مبتكرة لهذه المجموعة، بين التجريد الافتراضي الإيطالي (Estratto virtuale) والتعبير التجريدي والرمزية التلقائية التي تصور اللّامرئي من خلال المرئي بطريقة جاذبة، حيث تجتمع المعاني المختبئة خلف الصور، بالإيحاء للدهشة والذهول بعقد الرابط بين المرئى واللامرئى، والمفردات في الكادر مجازية في غير معناها الأصلي والحقيقي في الواقع، غرضه الإيهام عن الموضوع، لعدم وجود قرينة مانعة من إرادته، لأن فكرتها تعتمد على التأثيرات النفسية من توارد خواطر النفس البشرية ؛ دون الحاجة إلى التوضيح، وهنا يؤدي اللون والتكوينات المرتجلة، دورا مهماً في إظهار هذه الإيحاءات للحالة الدرامية التي تتنفس فيها الشخوص داخل فضاء الذاكرة ودلالاتها الرمزية، ففي ألوان أغطية النساء هي غير مألوفة في الواقع، إذ أن اللون هنا هو الرمز للحالة، لأن العباءة مجرد ستار لا يؤدي غرضه، والمرأة بالعباءة الحمراء تختلف عن تلك الملتحفة بالأزرق أو الأخضر، أو القوية المتمردة في غطائها البني أو الأحمر، هي إشارة بأن الروح القابعة تحت الغطاء هي روح إنسان، وقد يبدو للناظر من الوهلة الأولى أن الشخوصات تتشابه جميعها، هي ليست كذلك !! لأنها مجازية تخيلية، لأن الرؤية لرهط من ثمانية مليار إنسان، لا يمكن تحديد ملامحهم أو تبين أشكالهم ومعرفة الأسود من الأبيض أو الغني من الفقير، وقد يميزهم ألوان الغطاء القابعون تحته، وهو كناية، أن البشر بعد جانحة “الكورونا” سيصبحــــــــــــــون سَواسِيَةٌ لا يميزهم سوى رقما تعريفيا عالميا.
والجدير بالذكر أن هذه الأعمال ستعرض في جاليري “تجريد” في مدينة الرياض يوم الأربعاء الثالث من نوفمبر 2021م، يرافقه تدشين كتابه السابع في مسيرة نشاطه للكتابات الفنية والتحليلات الجمالية في الفن التشكيلي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

24 يونيو، 2026
إذا أردت السفر

ضيف الله نافع الحربي  “للناس...

17 يونيو، 2026
هل سنتأهل أم نكتفي بالحضور؟

ضيف الله نافع الحربي  تعادلنا...

11 يونيو، 2026
الاختبارات وكأس العالم

ضيف الله نافع الحربي بعد...

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

أوراق أدبية