||

كتاب في سطور

29 ديسمبر، 2020

 

كتاب المساكينمصطفى صادق الرافعي

إعداد : عائشة العباسي

كان الرافعي — رحمه الله — شاعر النفس، مرهف الحس، رقيق القلب، قوي العاطفة،
يرى المنظر الأليم فتنفعل به نفسه ويتحرك خاطره ويتفطر قلبه، وتقص عليه نبأ الفاجعة فلا تلبث وأنت تحكي له أن تلمح في عينيه بريق الدمع يحبسه الحياء. ولقد كان الرافعي يقرأ فيما يرد إليه من بريد قرائه كثيراً من المآسي الفاجعة، يسأله أصحابها
ً الرأي أو المعونة فيما يقرؤها إذ يقرؤها كلاما مكتوبًا، ولكنها تحت عينيه حادثة يشهدها
ُ ويرى ضحاياها، فما تبرح ذاكرتَه من بعد إلا مع الزمن الطويل.
ولقد وقعت الحرب العاملية الأولى واستعرتْ نارها في الميادين البعيدة، لا يبلغ إلينا
منها نار ولا دخان ولا يراق دم، ولكنها أرسلت إلى مصر الفقر والجوع والغلاء، فما كان
ً ضحاياها في مصر بالجوع والمتربة أقل عديدا من ضحاياها هناك في الميادين.
كيف كان يعيش العامل المسكين في تلك الأيام؟ رباه! إنني ما أزال أذكر يوم أرسلني
ُ والدي — وأنا غلام بعد ٍ — أستدعي النجار لعمل ً عندنا، فوجدته جالسا في أهله ياكلون؛
كانوا ستة قد تحلَّقوا حول قصعة سوداء فيها كومة من فتات الخبز إدامه الماء، تتسابق
أيديهم إليه في نهم، كأنما يخشى كل واحد أن تعود يده إلى القصعة بعد الأوان فلا يجد
اللقمة الثانية!
هكذا كان يعيش نصف الشعب في تلك الأيام السود، مما فعل القحط والغلاء، لأن أقوات الشعب قد حِملت إلى الميدان لتُخزن في دار المُؤَن وقتًا ما لتقذفها من بعد قنابل المحاربين وتذروها رمادا في الهواء!
َّ ونظر الرافعي حواليه فارتد إليه البصر حسيراً مما يرى ويسمع، فاحتبس الدمع في عينيه ولكن قلبه ظل يتحدث بمعانيه.
أخرج الرافعي كتابه هذا في سنة ١٩١٧ ،وهو الكتاب الرابع مما ألَّف في المنثور، وثاني ما ألَّف في أدب الإنشاء، ويعرِّف به الرافعي في الصفحة الأولى منه فيقول: هو كتاب «أردت به بيان شيء من حكمة الله في شيء من أغلاط الناس …» وقدم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني يقول فيها: «هذا كتاب حاولت أن أكسو الفقر من صفحاته مرقعة جديدة … فقد والله بليتُ أثواب هذا الفقر، وإنها لتنسدل على أركانه مزقا متهدلة يمشي بعضها في بعض، وإنه لَيلفقُها بخيوط من الدمع، ويمسكها برقعٍ من الأكباد، ويشدها بالقطع المتنافرة من حسرة إلى أمل، وأمل إلى خيبة، وخيبة إلى هم ُ ؛ وأقبح
َّ من الفقر ألا يظهر الفقر كاسيًا، أو تكون له زينة إلا من أوجاع الإنسانية، أو المعاني التي
يتمنَّى الحكماء لو أنها غابت في جماجم الموتى الأولين …»
والكتاب فصول شتى، ليس له وحدة تربط بني أجزائه إلا أنه صور من آلام الإنسانية
كثيرة الألوان، متعددة الظلال، تلتقي عندها أنَّة المريض، وزفرة العاشق، ودمعة الجائع، وصرخة اللهفان المستغيث؛ فهنا صورة «الشيخ علي» الرجل الذي يعيش بطبيعته فوق الحياة وفوق الناس؛ لأنه يعيش في نعمة الرضا، وإلى جانبه قصة الغني الذي حسب أنه سيطر على الحياة لأنه ملَكَ المال، وهذه صاحبته الصغيرة التي انتشلها الشيخ بماله من الفقر الجائع، فوهب لها المال ولكنه سلبها نعمة الشعور بالحياة، وهذا …وهذه … من صور المساكين الذين يعيشون يحتسون الدموع أو يتطهرون بالدموع!
كتاب المساكين الذي يقول عنه المرحوم أحمد زكي باشا:
َ لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير وهيجو كما للفرنسيين هيجو، وجوته كما للألمان جوته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

24 يونيو، 2026
إذا أردت السفر

ضيف الله نافع الحربي  “للناس...

17 يونيو، 2026
هل سنتأهل أم نكتفي بالحضور؟

ضيف الله نافع الحربي  تعادلنا...

11 يونيو، 2026
الاختبارات وكأس العالم

ضيف الله نافع الحربي بعد...

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

أوراق أدبية