||

النهايات السعيدة بددت عتمة الليل الطويل

17 نوفمبر، 2022

مسعدة اليامي/ السعودية

 

الوخزات الأولى من عملية الوشم, تلك الطريقة التي كانت تعتقد المرأة أنها من عمليات التجميل,فمنهن من بالغ و منهن من كانت وخزات الإبر التي أصابتهُ تشبه الحكايات العابرة التي لا بد أن تترك أثر في نفس المتلقي,و المتابع و من تعايش مع مثل تلك الحالات,أو عَبرتهُ في واقع الحياة,أو شاهدها من خلال الأعمال المرئية الوثائقية أو المسلسلات البدوية,و تعد حالياً من الطفرات التي يركض خلفها الشباب,و الشابات,دون أي هدف من ذلك ألا لفت الأنظار,و البحث وراء الشهرة الفارغة خلال تتبع دنيا الموضة بخلاف نساء الصحراء سابقاً.التي قد تكون وصلت إليهم كما في الصحراء الأردنية عن طريق جماعة النور وهي من قبائل الغجر,و أذكر جيداً أنني قد شهدت ذلك الوشم على الكثير من النساء بمنطقة نجران اللواتي كن يرسمونهُ على الذقن و ذلك من باب الزينة المعروفة في ذلك الوقت.
كذلك هي رواية حيموت للأديبة الروائية فاطمة الدوسري ..التي تُفشي لنا أسرار المرأة التي قطنت صحراء الجزيرة العربية,فكأنها ضربات الإبرة المؤلمة من خلال روايته التي تقع في ( 221) صفحة ,الصادرة عن دار تكوين.
الإبرة الأولى: عنوان الرواية الذي يوحي بأن الآباء يؤدون أطفالهم ببعض الأسماء التي ترفد لهم و أن كانت من باب الدعابة أو التشاؤم أو الجهل و عدم المعرفة الذي لا ذنب لهم فيه ,و قد يكون ذلك أقسى من وئد البنات في عصر الجاهلية .. التي تفارق أرواحهن أجسادهن, و لقد كان ذلك السلوك دارج في الكثير من البيئات في شبه الجزيرة العربية ,و يعود ذلك لأسباب,والتي منها قلة الوعي,و الاعتماد على الثقافة التي تحيط بالشخص في البيئة التي يتعايش معها, و هناك أساب لبعض الأسماء التي تعتمد على المعتقدات المكتسبة من البيئات البسيطة, فيسمى الطفل مثلا باسم أخر ,و يعود ذلك جراء المرض أو نذير شؤم,و يعد ذلك من باب الخرافات و الأساطير و التجارب الحياتية التي قد تَصدق مع شخص في ذلك الوقت, فتنتقل مثل تلك الحوادث عن طريق الروايات أي تبادل الأحاديث بين الناس,فيسمى الشخص حسب لونهُ أو عاهة التي قد يكون أصيب بها, أو أنهُ صاحب قدومهُ للحياة في ذلك اليوم نحس في حياته الوالدين أو أحدهم مثل قصة أسم ( حيموت) بطلة الرواية.
الإبرة الثانية : و أن لم يكن لها ذلك الأثر الكبير من مساحة الرواية سوى أنها حضرت لمجلس حيموت حتى تفرق من كان حولها من أخواتها اللواتي كن يريدون أن يتعلمن,إلا أن (وضحا) أو (وضحى ) بعد تلك الفعلة غابة بألمها الذي كنت أترقبهُ في الصفحات التالية من الرواية لكنها كانت مثل الأثر الذي محتهُ الرياح ,و أن كان الألم حيال تلك الشخصية في نفسي قد تمكن, و ربما تكون ملامحها في شخوص رواية قادمة للكاتبة بإذن الله,و لكن لماذا هي رغم أن هناك ( مزنة,و وسيمة) ربما لأن ملامح الشخص القاسية المنقادة من قبل الأخر,تحمل بين طيات قلبها الشيء الكثير, و ربما لأنها أيضاً كانت الكبرى بين أخواتها,وربما لأنها تزوجت في سن صغير, تلك الوخزات تؤلم الروح لذلك علقت في ذاكرتي .
الإبرة الثالثة: وفاة والد حيموت الذي شعر به قبل أن يكون على يد جمل أضمر له الحقد, و تلك من عادات الجمل المطروقة في التراث أنهُ حيوان معروف بالحقد و الانتقام و لو بعد حين.
فشعر الشيخ مترك أنهُ يريد أن ينتقم منهُ في طفلتهِ حيموت , فكانت نهاية مؤلمة و خاصة عندما قامت على رثائه زوجتهُ سراء,و كيف وصفت للنساء حال الشيخ مترك في الأيام الأخيرة,حول ذلك الجمل الذي سيقت أمهُ من سنوات للبيع ,و تلقى الضرب لفصله عنها ,و كيف أنه كان قد قرر بيع ذلك الجمل,و لكن كان القضاء,و القدر بأن يَقتلهُ فيموت قبل أن يتخلص من شرهِ
الإبرة الرابعة : صايل ذلك الأخ الذي كانت حقيقة كُرهِ واضحة للمرأة ,فمن البداية و وجههُ مكشوف ,حيال المرأة سواء كانت زوجة أو أخت أو بنت أو زوجة الأب .. التي تعد من القريبات اللواتي لهن حق عليهِ,كونها أصبحت في مكان أمهِ, إلا أن تصرفهُ مع زوجة أبيه سراء التي لم تنجب أطفال,و ذلك بإخراجها من القبيلة حتى تعود إلى أهلها بعد انتهاء العدة,فكان ذلك دليل على مدى الخسة المتأصلة في نفسهِ, أخذ أختهُ حيموت التي كان يكرها دون سبب واضح بالقوة من خيمة أمها سراء التي قامت على تربيتها بعد موت أمها حتى يزوجها من أبن عمها,رغم أنها كانت في سن حفيداته,و لكن الجهل,و التمسك بتلك العادة الرديئة التي تشبه حالة متعاطي الخمر الذي يُذهب العقل,فيفقد الإنسان إنسانيته كونهُ لا يفكر إلا في إشباع رغباتهِ بالزواج بطفلة لا تدرك من أمور الحياة الزوجية شيء,و تجلى بذلك عندما ذهب إليها أبن عمها في المرعى و أخذ يمرر يدهُ على شعرها و يقبلهُ, و عندما خافت, همس في أُذنها : (أتفقد حلالي)!!
الإبرة الخامسة : الهروب و الغربة و الخوف و القلق و التوتر و العلاقات التي نتجت هناك من التعايش مع الجيران فكانت الصداقة التي تبخرت مع الأيام وعادت بعد أن أنقضت فورة رغبات أرضاء النفس,فلم يبقى إلا مرحلة النضج التي تبحث عن السكون مع الصديقة رقية, و أن كان هناك أرواح تظل ثابتة في عمر واحد لا تريد أن تتخطاهُ .و تلك من الأمراض النفسية.
كذلك عمل الأم سراء و قدرتها على أن تُكون علاقات كثيرة مع الجيران,ثم الحب و الحرمان و الوحدة و الدخول في سن الأربعون و التردد بعد أن عاد الحبيب من الغربة, يحمل أحفاده على كتفه,و أبنائه على كفيهِ و الشعر الأبيض يكتسي رأسهُ ولكن قلبهُ لا يزال ينبض بحُب حياة.. التي سعى لتغير اسماها من حيموت إلى حياة,ثم طلب منها أن تعاهده ألا تتزوج غيرهُ,و ظلت على العهد إلى أن طرق باب قلبها من جديد سليمان ,فكان لا يزال شعلة من الشوق لذلك العناق الساكن بأعماقها. فرزقت بعد أن عادت المياه إلى مجاريها بتوأم أسمتهم ( مترك, سراء)
فكانت النهاية السعيدة للرواية بعدما قطعت تلك المسافات .. التي عزفتها الكاتبة على ربابة كانت أوتراها حزينة, أمام موقد مشتعل بنار العادات و التقاليد..التي رسخت القواعد الباطلة ,و تجنبت الأفعال الأسمى من تلك التقاليد.
و لكن الكاتبة أبت إلا أن تكون النهاية مبهجة, بعدما طرقت لنا بعض مشاكل,و هموم المرأة في أحضان الأسرة الممزقة.. التي لا تختلف عن الأمراض التي تظهر هنا و هناك ,فيُعالج صاحبه فيشفى و قد يذهب ضحية ذلك آخرون و في الأغلب يكونون الذين لفهم الصمت,و عدم القدرة على أخذ حقوقهم التي قد لا يعرفونها,ثم تعود تلك الأسقام بعد حين للظهور في مكان أخر ,و بطرق مختلفة, و ربما تكون الذاكرة هي الوسادة الأولى .. التي تنسل خارجها تلك الحيوات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

رأي المصداقية

1 يناير، 2021
رآي المصداقية

  كان حلما يراودنا منذ...

كتّاب المصداقية

24 يونيو، 2026
إذا أردت السفر

ضيف الله نافع الحربي  “للناس...

17 يونيو، 2026
هل سنتأهل أم نكتفي بالحضور؟

ضيف الله نافع الحربي  تعادلنا...

11 يونيو، 2026
الاختبارات وكأس العالم

ضيف الله نافع الحربي بعد...

4 يونيو، 2026
عدو نفسه لن يكون صديقًا…

ضيف الله نافع الحربي  ‏أولئك...

أوراق أدبية